الديموقراطية في الطبيعة

تاريخ النشر : 14/09/2016 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :592
الكاتب نوف عبيري

متفكّرة .. بين الأنوية و كل ماهو حي ♥️.. اللهم أجعلني أفضل مما يظنون.. #أحياء -جامعة الملك عبدالعزيز

 %d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%88%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a8%d9%8a%d8%b9%d8%a9

تتخذ الحيوانات، بشكل متكرر، قرارات جماعية تؤثر على حياتها اليومية. ولكن كيف تقوم بذلك بدون مساعدة الآلات أو صناديق الاقتراع؟

 

يسعى البشر بين كل فينة وأخرى، لترشيح من يعتقدون أنه خير من يمثلهم أو يخدمهم في منصب قيادي. أخذين بعين الاعتبار العواقب المترتبة على اختيار كل مرشح.

ومن ثم تتم عملية جمع الترشيحات والأصوات وإعلان المرشح الحاصل على أكبر عدد من الأصوات فائزاً. وتعتبر هذه العملية وسيلة البشر في اتخاذ القرارات الجماعية بطريقة ديموقراطية.

 

وكما الإنسان، تصنع الحيوانات قرارات جماعية أيضاً. وعلى الرغم من أن الحيوانات لا تختار قائد مجوعتها عادة، إلا أنها تصوت على القرارات الأكثر روتينيه، كاختيار مكان للعيش أو وجهة للصيد والبحث عن الطعام.

ولكن كيف تقوم الحيوانات باتخاذ قرارات جماعية دون اللجوء لآلات التصويت أو صناديق الاقتراع؟

هل الديموقراطية محصورة على الجنس البشري؟ أم يشاركنا بها الحيوان وفق آليات مختلفة؟

 

تتخذ بعض الحيوانات قراراتها الجماعية مستخدمة “حكمة الجمهور” أو “الذكاء الجمعي”، نذكر منها نحل العسل (النحل الحامل للعسل). فقرب نهاية الربيع أو بداية الصيف، عندما يزداد أعداد أفراد مستعمرة النحل بشكل يفوق قدرة خليتها الاستيعابية وفي توفر الظروف المناسبة، ينقسم أفراد المستعمرة إلى مجموعتين: مجموعة تكون فيها الملكة الأم ونصف مجموعة النحل العاملات بينما تتكون المجموعة الثانية من الملكة الابنة والنصف الآخر من النحل العاملات.

وبعد الانقسام، تغادر مجموعة الملكة الأم بحثاً عن مكان جديد لبناء خلية جديدة، وبعد دقائق من بدء رحلة البحث تحدد المجموعة مكاناً مؤقتاً للراحة بينما تشرع مجموعة من النحل العامل يطلق عليها “النحل الكشاف” في البحث عن موطن مناسب للخلية الجديدة.

عند عودة النحل الكشاف، تقوم كل نحلة بنقل تفاصيل موقع شاغر عن طريق القيام برقصة تتهادى وتتمايل فيها أمام نظيراتها من النحل، وقد تستمر الرقصات قرابة ١٦ ساعة ترغّب فيها كل نحله كشافه بالمكان الذي عثرت عليه.

وعلى الرغم من عدم وضوح مرحلة التصويت أو ما يجعل بعض النحل الكشاف يتوقف عن الرقص والترغيب بالمكان الذي عثر عليه، وأحيانا تغيير رقصته لدعم مكان آخر عثرت عليه نحلة كشافة أخرى، إلا أننا نعلم أنه بعد أيام تتفق المجموعة على موقع جديد وثابت للخلية الجديدة.

 

تصويت الأغلبية

وعلى الرغم من غموض تفاصيل اتخاذ القرار وآلية التصويت، إلا أنه من الواضح أن الذكاء الجمعي للمجموعة يسمح باتخاذ قرارات معقدة فقط لأن المهام موزعة بين أفراد المجموعة. حيث يقول العالمان توماس سيلي وسوزانة بهرمان اللذان درسا “صناعة القرار في الأسراب”: “رأينا أنه لا وجود لنحلة مشرفة تكون عالمة وملمة بكل شيء، تقيم وتختار الموقع الأفضل”. “على العكس من ذلك، فأنها المنافسة الشريفة بين النحل الكشافة التي تحدد الموقع الأفضل”. “وبالتالي فإن الجهد الذهني الذي تقوم به النحلة الكشافة الواحدة يعتبر قليل، مقارنة بعملية معالجة وتشغيل المعلومات التي يقوم بها السرب كاملاً”.

بالنسبة لنحل العسل، فإن عدد قليل من النحلات تملك معلومات قيّمة تعتمد عليها المجموعة أو السرب. وعلى عكس نحل العسل، فإن الأنواع الاجتماعية من مملكة الحيوان غالبا ما تتخذ قراراتها بدون مساعدة خبير. كما هو حال قرود المكاك تونكيني المحبة للفواكه والتي تعيش في غابات سولاوسي الإندونيسية والتي تقرر وجهة البحث عن الطعام حسب اختيار الأغلبية.

فعندما يقترح أحد قردة المكاك توكيني وجهة جديدة للبحث عن الطعام، فأنه يتحرك بضع خطوات ناحية الوجهة المقترحة تم يلوي رأسه للخلف باتجاه بقية المجموعة. ثم تقرر المجموعة موافقتها للمقترح أو رغبتها في طرح وجهة بديلة. وفي حال تم طرح وجهة أخرى، فإن كل فرد من المجموعة يرشح الاتجاه الذي يراه مناسباً عن طريق الانضمام للقرد صاحب المقترح حيث يخطون أيضاً بضع خطوات ناحية الوجهة المختارة ثم يلوون رؤوسهم باتجاه بقية المجموعة.

وعندما يصوت معظم أفراد المجموعة، فإن البقية يساندون اختيار الأغلبية، وينظمون للوجهة المختارة من قبل أكثر أفراد المجموعة ويخطون باتجاههم من دون الالتفات للخلف. ومن ثم ينضم الأفراد الذين رَشحوا الوجهة الأخرى لبقية المجموعة.

وككل الرئيسيات، تحافظ قردة المكاك توكيني على سلم اجتماعي صارم، ولكن جميع أفراد المجموعة تصوت لاتخاذ القرارات الروتينية. ويسمح لكل فرد من المجموعة بالمبادرة باقتراح، بغض النظر عن عمره أو رتبته الاجتماعية. بينما تسمح بعض أنواع القرود الأخرى للفرد الأكبر سناً أو أكثر سيطرة في المجموعة فقط باتخاذ القرارات، مثل قرود الريص (المكاك ريسوسي).

 

والديموقراطية في شكلها هذا لا تقتصر على رتبة الرئيسيات. فالجاموس الأفريقي (سنسيراس كافير) من البقريات الضخمة التي ترعى في غابات القارة الأفريقية وأراضيها العشبية ومستنقعاتها. وتتنوع بقاع أكل الجاموس الأفريقي اعتماداً على تاريخ رعي قطيع الجاموس الأفريقي أو غيره في المنطقة وسرعة نمو النباتات فيها وجودة تربتها. بالإضافة للفترة الزمنية التي بحتاجها القطيع للوصل لمنطقة ما.

 

عقلية القطيع

 

نقل الكاتب في مجلة “عالِم الطبيعة الأمريكي”، دايفيد سلون ويلسون عن مختص بالجواميس يدعى هـ.هـ. ت. برينز ما ذكره عن ظاهرة غريبة لدى إناث الجاموس الأفريقي، حيت تنهض الإناث خلال وقت راحتها وتهز جسدها ثم تعود لترتاح على الأرض. يقول المختص: “في البداية فسرت هذه الظاهرة بـ ”تمديد واستطالة الأرجل” ولكني لاحظت في أحد الأيام أن أنثى الجاموس تتخذ وضعية محددة بعد أن تهتز وقبل أن تعود لترتاح”. “حيث تنظر إناث الجاموس في اتجاه معين مبقية رأسها على مستوى أعلى من مستوى الراحة المعتاد وأقل ارتفاعاً من مستوى التنبه والخطر، ويستمر هذا الفعل الوقوف والنظر ثم العودة للراحة لمدة ساعة من الزمن ويكون خلالها التصور العام أن القطيع في حالة استراحة.” ينبه الكاتب ولسون أن الخبير برينز أمضى سنتين في مراقبة الجواميس قبل أن يتوصل إلى أن ما كان يعتقد أنها حركة تمدد بسيطة هي في الحقيقة وسيلة لتسجيل الأصوات والترشيحات. يكمل برينز: ”بعد لحظات -من اكتمال التصويت- يبدأ القطيع بالتحرك والرحيل”

فالحقيقة أن إناث الجاموس الأفريقي لم يكن يغيرن أماكنهن للحصول على مزيد من الراحة، بل كن يقدمن أصواتهن لاختيار وجهة الرحيل. فيمكن التنبؤ باتجاه رحيل القطيع بمعرفة أعداد إناث القطيع اللاتي نظرن باتجاه معين. أي أن وجهة حركة القطيع، اختيرت باتفاق الأغلبية. وفي حال تساوت الأصوات بين اتجاهين، فإن القطيع ينفصل لليلة، ويرعى أفراده في مناطق مختلفة ثم يجتمع أفراد القطيع في صباح اليوم التالي.

يختلف قطيع الجاموس الأفريقي عن قردة المكاك توكيني، في كونها تسمح للأنثى البالغة بالتصويت، ويتفق معها في كونه يسمح لجميع الإناث البالغة بالتصويت بغض النظر عن مراتبهن في السلم الاجتماعي.

 

بالرغم من جميع ما ذكر عن الديموقراطية لدى الحيوانات، إلا أننا نجدها لا تقوم بالتصويت بشكل واضح وصريح لاختيار قائد مجموعتها كما يفعل الإنسان.

فالفيلة تنصب أكبرها سناً قائداً لها بشكل تلقائي، بينما يرأس قردة الشمبانزي من يستطيع السيطرة على المجموعة والحفاظ على منصبه. وتتوج أنثى نحل العسل ملكة للسرب بناء على ما تغذت عليه في أول أيام حياتها (يجدر بالذكر أن النحل العاملات لها تأثير في اختيار الملكة، مما يجعل اختيار ملكة النحل الأكثر شبها بعملية الانتخابات الرئاسية لدى البشر).

ومن هذا نرى أن القرارات الجماعية ليست خاصة بنوعنا البشري، فحتى النحل العاملات وصغار قردة المكاك توكيني وأقل الجواميس الأفريقية سيطرة يحصلون على فرص متساوية في اتخاذ القرارات الجماعية التي تؤثر مباشرة على بقاءها على قيد الحياة. مما يجعل الديموقراطية بعيدة عن كونها خاصة ومميزة للبشر.

 

ترجمة: نوف عبيري

Twitter: @nofology

مراجعة: البتول العماري

 

المصدر:

BBC

 

 

 


شاركنا رأيك طباعة