ماذا يفعل ” الخوف ” بإدراكنا البصري!  

تاريخ النشر : 29/07/2016 التعليقات :0 الاعجابات :1 المشاهدات :1169
الكاتب البندري العتيبي

دكتوراه في علم النفس من جامعة نوتنجهام

المراجع حمد الصقر

معلم - ساعٍ في التعلم

ماذا-يفعل-الخوف--بإدراكنا-البصري

فكّر في السيناريو التالي: شرطي في بداية عمله – في هذا المجال – وأثناء دوريته
يرى شابًا صغيرًا مثيرًا للريبة ، فيقرر أن يتبعه .. وعندما غيّر الزاوية رأى الشاب وهو يسحب مسدسًا من جيبه، وفي أقل من لحظة – وبسرعة شديدة تمنعه من التفكير في الأمر لمرتين- سحب الشرطي مسدسه وأردى الشاب قتيلاً. ولكن المحزن في الأمر .. أن الشاب لم يكن يحمل مسدساً في الأساس ..!! وأنّ الذي في يده لم يكن سوى هاتفًا نقالًا ! بكل أسى، يمكننا القول أن هذا السيناريو حكاية مألوفة ! حادثة تشبه تماماً تلك التي حدثت في يناير لهذا العام (٢٠١٦). وببحث سريع في التقارير المنشورة بالجرائد ستدرك كم هو مألوف حدوث مثل هذه الحكاية !

عندما يتخذ الناس قراراتٍ سريعة في مواقف كتلك يكونون عادة تحت تأثير ضغطٍ شديدٍ وسريعٍ مما يولّد مجموعة من التأثيرات الحسية والعقلية التلقائية والتي يتفق بعض علماء النفس على تسميتها بـ ” سلوك التجمد” .
عندما نفكر في ردة الفعل هذه، فنحن عادةً ما نفكر بحدوثها لدى الحيوانات .. كفأرٍ يتجمد خوفاً أو الغزلان التي تقف بلا حراك أمام الإضاءة الأمامية للمركبات مما ينتج المزيد من حوادث القتل ..!!

بعبارةٍ أخرى، إنها اللحظة التي تسبق تفكير الحيوان بما عليه أن يفعل، هل عليه أن يحارب أم يهرب ؟! تُعرف هذه الحالة بأنها استجابة فطرية في مواجهة الحيوانات المفترسة لتجنب أن تتم رؤيتها أو سماعها. وقد أظهرت البحوث انخفاض دقات قلب الحيوان عندما يكون في هذه الحالة.
على الرغم من عدم شيوع هذه الاستجابة عند البشر إلا أنه يمكن القول أن لدينا استجابات فسيولوجية مشابهةٍ لهذه الاستجابة. على سبيل المثال وجدت إحدى الدراسات التي أجريت في عام ٢٠٠٥ م – والتي عرضت على عينة الدراسة صوراً لجثث مشوهة – انخفاضاً في الاستجابات الحركية للأفراد المشاركين بشكلٍ عام وانخفاضًا ملحوظاً في سرعة دقات قلبهم كاستجابةٍ لمشاهدة تلك الصور. نفس تلك الاستجابات وجدت في دراسة أخرى أجريت في عام ٢٠١٠ م ولكنّ الصور المعروضة كانت لوجوهٍ تحمل تعبيرات التهديد .

بالرغم من تلك الدراسات المذكورة إلا أن دراسة ” سلوك التجمد” لدى البشر ما زالت في مراحلها الأولية وكثير من تأثيرات هذه الاستجابة لم يُعرف بعد. فعلى سبيل المثال كيف تؤثر هذه الاستجابة على الإدراك البصري ؟! وأيّ هذه التأثيرات يمكن أن يفسر بعضًا من القصص المأساوية التي يتكرر حدوثها كثيراً ؟! كأن يخطئ الشرطي في إدراك أداة غير ضارة – كهاتف نقال مثلاً – ويراها مسدساَ ! دراسة حديثة نشرت في مجلة علم النفس التجريبي حاولت أن تجيب على هذا التساؤل .

“ماريا لوجوسكا” وزملائها من ( جامعة ردبود ) في هولندا اختبرت ٣٤ فرداً تتراوح أعمارهم بين ١٨ عامًا حتى ٣٠ عام. أخبر الباحثون – الأفراد المشاركين – أنهم يقومون بأداء تجربة في الإدراك البصري. لتصميم موقف يمكنه إظهار ” سلوك التجمد ” لدى أفراد العينة، قام الباحثون بإعطاء أفراد العينة في بعض الأحيان صدماتٍ كهربائيةٍ خفيفة ولكنها دائمًا تكون مسبوقة بظهور نقطةٍ حمراء على الشاشة. كان أفراد العينة على علم مسبق – قبل بدء التجربة – بإمكانية حدوث هذه الصدمات ودرجة قوتها.
لم تكن الصدمة الكهربائية نفسها هي المسبب لظهور ” سلوك التجمد ” لدى أفراد العينة “كما قيس من خلال دقات القلب” ولكن تبين أن : توقّع حدوث الصدمة الكهربائية هو المسئول عن ظهور ” سلوك التجمد” . عندما يرى المشاركون النقطة الخضراء ( والتي لا يعقبها عادة صدمة كهربائية ) فإنهم يسترخون، ولكن عندما يرون النقطة الحمراء يشعرون بالخوف بغض النظر عما إذا كان يعقبها صدمة كهربائية أم لا.

المهمة البصرية التي كان على أفراد العينة أداؤها هي الحكم بأقصى درجة من الدقة الممكنة اتجاه الخطوط داخل المربعات الصغيرة والتي تظهر على شاشة الكمبيوتر في بعض الأحيان يمين وفي أحيان أخرى يسار الحقل البصري للمشارك. هذه المربعات قد تحتوي عددًا كبيراً من الخطوط “ممثلة بذلك حالة التفاصيل الكثيرة “، وقد تحتوي على خطوط قليلة ” لتمثل حالة التفاصيل القليلة”. وجد الباحثون أن الأداء البصري لأفراد العينة يتأثر وبشكل حاسم ومؤكد بحالة الفرد عندما يكون متوتراً ومُظهراً لعلامات ” سلوك التجمد” . فعندما يكونون خائفين ومتوترين فإن أدائهم في الحكم على المربعات ذات التفاصيل الكثيرة – التي تحتوي خطوط عديدة – ينخفض ولكنه يرتفع – في المقابل – عند الحكم على المربعات ذات التفاصيل القليلة.

يذكر الباحثون أن التجارب السابقة على الحيوانات في هذا المجال قد أظهرت تحسّنًا عامًّا في الرؤية عند حدوث ” سلوك التجمد” ولكن نتائج دراستهم تشير إلى وجود تباين في هذا التأثير حيث يظهر أنه عندما نكون في حالة خوف فإننا ندرك بعض المظاهر البصرية من حولنا بدقة ووضوح أكبر ولكن على حساب تجاهل كثيرٍ من التفاصيل.
يبدو أنه من المعقول جدًا أن يتركز نظر الحيوان أو الإنسان – في حالات الخوف – على التفاصيل الأساسية للكائن الذي يحتمل أن يهدد وجوده. فالأخذ في الاعتبار لتفاصيل المشهد المثير للخوف كاملاً سيستغرق وقتاً طويلاً ربما لا يملكه الفرد في مثل تلك المواقف. أدمغتنا لديها طريقة ذكية في إعادة بناء المشهد البصري سريعًا باستخدام الذاكرة لمواقف وأحداث مشابهة دون اللجوء للمعالجة العميقة لكل نقطة من تفاصيل المشهد الذي يعيشه الفرد حاليًا ، ولكن الطريق المختصر الذكي هذا يحمل تهديداتٍ بوقوع أخطاء في ( الإدراك البصري ) ” مثل الشرطي السابق” وسهولة التعرض للخداع البصري.

على الرغم من هذه العيوب محتملة الحدوث في إدراكنا البصري، إلا أنه من المهم لنا في تلك المواقف أن ندرك ما حولنا بسرعة. فإذا كنت تمشي في الصحراء، ورأيت شكلاً يشبه الثعبان – والذي من المحتمل أن يكون عصا – فإنه من الأفضل لك أن تحذر من هذا الشيء وتتوقف عن المضي قدماً عوضاً عن افتراض أنه عصا ثم تتقدم نحو خطر محتمل.

الآن .. وبعد أن فهمنا أكثر كيف يتغير إدراكنا البصري عندما نشعر بالخوف، ” ماريا ” وفريقها يخططون لاكتشاف ماذا يحدث بالتحديد داخل أدمغتنا في تلك المواقف. في هذه الأثناء يأمل الباحثون أن نتائج تجربتهم تؤخذ في الاعتبار عند تصميم برامج تدريبية لتطوير أداء الأفراد في البيئات الضاغطة . العديد من قوات الشرطة في الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بالفعل بتدريب منسوبيها على التغلب على التحيزات الضمنية تجاه الجنس والعرق، إضافة حدود ( الإدراك البصري ) في هذه المواقف إلى هذه القائمة التدريبية .. سيفيد كثيرًا .

 

المصدر الذي تمت الترجمة منه:

http://digest.bps.org.uk/2016/01/what-does-being-scared-do-to-our-visual.html

ترجمة: البندري العتيبي

twitter

88a88b88

مراجعة : حمد الصقر

تدقيق: احمد الطلحي

 


شاركنا رأيك طباعة