عندما يتعلم الدماغ

تاريخ النشر : 06/10/2014 التعليقات :0 الاعجابات :1 المشاهدات :2901
الكاتب مآب الطيب

طبيبة امتياز – جامعة طيبة

تعلم الدماغ

كثيراً ما نشاهد الرسوم المتحركة، و كثيراً ما نرى ذلك المصباح المضيء فوق رؤوس الشخصيات عندما تراودهم فكرة جديدة.

محض من الخيال، صحيح ! و لكن الآن مع تقدم العلم استطاع العلماء بطريقة ما أن ينظروا إلى الدماغ و نشاطه عن كثب. ففي دراسة أجريت على الجرذان، وجد أن تعلم مهمة جديدة يؤدي إلى زيادة نشاط مجموعة معينة من خلايا الدماغ مما قد يمكن العلماء مستقبلا من اكتشاف حقيقة العملية التعليمية و كيف تحدث على مستوى خلايا الدماغ.

من المعروف أن الدماغ مكون من مناطق عديدة، ترتبط هذه المناطق ببعضها لتسهيل نقل المعلومات، و من ثم تحليلها و تخزينها. و كل خلية تلتقي بالأخرى عن طريق أماكن تسمى ساينابس( synapses)، و لكن لنقل المعلومات بين مناطق الدماغ، غالبا ما يتطلب ذلك أكثر من ساينابس.

لنقل معلومة أو رسالة من منطقة إلى أخرى، نحتاج إلى ذبذبات مختلفة متكررة تنشأ من قشرة الدماغ تسمى (الذبذبات القشرية)،  تغير هذه الذبذبات من الحقل الكهربائي للدماغ مما يزيد من احتمالية انطلاق الإشارات ووصولها. نستطيع تشبيه الوضع بحشد كبير من الناس يرددون كلمة معينة، ينطقون بها بطرق مختلفة، وبأصوات مختلفة، و لكن في النهاية الكلمة نفسها ستسمع و تمس العديد من الناس .

إن هذه الذبذبات من الممكن لها أن تحدث داخل منطقة واحدة في الدماغ أو أكثر، فكما تشرح د.ليزيكاي-عالمة في مجال المخ و الأعصاب من جامعة شيكاغو -” تعمل الذبذبات القشرية على تهيئة مناطق الدماغ الأخرى لما “ستراه” عندما تستقبل الإشارة” و حسب ما يشرحه د.كياقراشي-عالم من الجامعة النرويجية للعلوم -” عندما “ترى” الجهة المستقبلة الذبذبات، تعمل على تزامن خلاياها مع خلايا الجهة المرسلة، فتنشأ لدينا نفس الذبذبات في منطقتين مختلفتين، مما يسهل عملية التواصل بين المنطقتين .

الذبذبات القشرية موجودة في كل الدماغ تلعب دورًا مهما في كل إشارة تنشأ من الدماغ -من الحركة و التوازن إلى النوم و حتى التشنجات العضلية- كما تشترك هذه الذبذبات في عملية التعلم و تكوين الذكريات.

ولمعرفة دور الذبذبات القشرية في عملية التعلم، قام د.اقراشي و زملاؤه بتدريب الجرذان على مهمات بسيطة، و ذلك بتعريضهم لرائحة معينة و من ثم وضع طعام له نفس الرائحة في مكان معين، ثم تعريضهم لرائحة أخرى و طعام له نفس الرائحة في مكان مختلف، فتعلم الجرذ الشره المهمة أسرع من غيره، و بعد ٣ أسابيع، استطاعت جميع الجرذان الوصول للطعام الصحيح بنسبة ٨٥٪ . بعدها قام العلماء بزرع أقطاب داخل منطقة  “Entorhinal”و منطقة الحصين “hippocampus” -كلا المنطقتين مسؤولتين عن الذاكرة و التعلم- في نفس  الجرذان السابقة، مما مكنهم من مراقبة النشاط الكهربائي في المنطقتين أثناء  عمل الجرذان، و مع كل تصرف يقومون به تظهر نفس الذبذبات و نفس النشاط في كلا المنطقتين. ثم أعلن الباحثون أن هذه الذبذبات تتطور أثناء عملية تعليم الجرذان، و قد أثبتوا ذلك عن طريق تجربة أخرى حيث قاموا بزرع الأقطاب قبل تعليم الجرذان، مما جعلهم قادرين على مراقبة الذبذبات مع تطور العملية ، فكانت الذبذبات متزامنة أكثر مع تطور تصرفات الجرذ، و غير قابلة للتسجيل عند قيامهم بخطأ ما، و أقل تزامناً عندما تكون تصرفاتهم أقل تماسكا عن العادة، و بعد ذلك قام الباحثون بتغيير الروائح المقدمة للجرذان، فكانت النتيجة هبوط مستوى الذبذبات و مع مرور الوقت و تعلمهم على الرائحة الجديدة عادت الذبذبات متزامنة كما السابق.

كما تمكنوا أيضاً من تحديد مواقع الذبذبات و ربطها بخلايا معينة في منطقة محددة فكانت بعض الخلايا في المنطقتين تنشط عند التعرض لرائحة معينة و كان هذا النشاط غائبا عندما يخطئ الجرذ.

كل هذه النتائج  أثبتت أن منطقتي الذاكرة و التعلم تصبح أكثر تزامنًا و ترابطًا بعد تعلم مهمة ما، فمثلما تمكن العلماء من مراقبة عملية التعلم و تكوين الذبذبات، سيتمكنون من مراقبة تكوين الذاكرة و تخزينهامستقبلا  .

و لكن الآن المشكلة تكمن في ماهية هذه الذبذبات، فهي ليست بالضرورة معلومات مخزنة بحد ذاتها، وبالرغم من كونها مرتبطة ارتباطا وثيقا بأداء المهام إلا أنها ليست بالضرورة أن تكون المسبب لهذه المهام، فمن المحتمل أن تكون الوسيط المسهل للترابط بين الخلايا، أوقد تكون ناتجة عن نشاطات أخرى في الدماغ، ولإثبات ماهية الذبذبات سيحتاج العلماء إلى إيجاد طريقة تمكنهم من  القضاء على تأثير خلايا الدماغ بدون التأثيرعلى وظائف الدماغ الأخرى، و هذا يشكل تحديا كبيرًا لهم و تبقى هذه الذبذبات لغزًا كبيرًا،فحتى الآن لم يستطع العلماء معرفة نشأتها و طريقة عملها، هي معجزة بحد ذاتها.

تعتبر هذه الدراسة الخطوة الأولى في المهمة، فقد أثبتت أن الذبذبات القشرية جزء مهم من عملية التعلم، من الآن وصاعدا عندما تكون في خضم تعلم أمر ما انس أمر المصباح المضيء و تذكر دائماً النشاطات المختلفة و العمليات المعقدة التي تحدث في دماغك.

المصدر:

Science News


شاركنا رأيك طباعة