علم ما وراء الحدس، لماذا يجب عليك أن تثق بإحساسك

تاريخ النشر : 21/08/2016 التعليقات :0 الاعجابات :2 المشاهدات :1793

علم-ما-وراء-الحدس،-لماذا-يجب-عليك-أن-تثق-بإحساسك

في دراستي السابقة التي أجريتها على الناجين من مرض السرطان، والذين عُولجوا وشفوا شفاءً تامّا، وجدت أن الحدس ساعدهم كلهم –تقريبًا- في اتخاذ القرارات المتعلقة بخطة العلاج. والسبب في ذلك قد يتضح بإجراء بحث عن الحدس و اتباع الأحاسيس الداخلية.

اكتشف العلماء أن الإنسان لديه نظامي عمل مختلفين. النظام الأول، هو نظامنا السريع، البديهي، والذي لا يعتمد على الوعي، والذي يتحكم بهذا النظام هو دماغنا الأيمن، وأجزاءٌ أخرى من الدماغ كانت معروفة منذ عصور ما قبل التاريخ، تسمى بالدماغ الزحفي والدماغ الحوفي (the limbic and repetilian brain).
النظام الثاني للعمل هو الأبطأ، ولكنه الأكثر تحليلًا، ويعتمد على حضور الوعي بشكل كامل، والذي يتحكم بهذا النظام هو الدماغ الأيسر وبعض أجزاء الدماغ المعروفة حديثًا ( عرفت بالقشرة المخية الحديثة neocortext).

هناك أبحاث وجدت أن الحدس هو جزء من النظام الأول، وهذا يفسر لماذا يأتي الحدس سريعًا وبلا سبب منطقي واضح. بصياغة أخرى، القرارات التي تأتي بناءً على الحدس ليست قراراتٍ نفكر بها مليًا قبل اتخاذها، لكنها قرارات نختارها سريعًا بناءً على البديهة.

لكن لماذا يجب علينا أن نثق ببديهتنا وحدسنا؟ من الممكن أن يكون أحد الأسباب هو ما وجده الباحثين في أن النظام الأول للعمل غالبًا يعرف الجواب قبل النظام الثاني بوقت طويل. مثال على ذلك، في دراسة معينة طلب الباحثون من المشاركين بالدراسة أن يلعبوا بورق لعب، حيث يكون هدف اللعبة هو ربح أكبر مبلغ من المال. لكن، ما لم يدركه المشاركون بالدراسة هو أن اللعبة كانت مزورة منذ البداية، فقد كان هناك مجموعتين من ورق اللعب التي يمكن الاختيار بينهما، إحداهما كانت معدة لتقدم ربحًا كبيرًا متبوعًا بخسارة عظيمة. بينما الأخرى كانت معدة لتقدم ربحًا قليلًا لكن بلا خسارات تقريبًا. تطلّب الأمر تقريبًا٥٠ ورقة قبل أن يشعر اللاعبون بأي المجموعتين هي الآمَن، وتقريبًا ٨٠ ورقةً قبل أن يستطيعوا شرح الفرق بين المجموعتين. لكن ما أثار الدهشة هو أنّ الأمر تطلب ١٠ أوراق فقط حتى بدأت غدد العرق تنشط في منطقة الكف عند كل مرةٍ يأخذ فيها اللاعب ورقة لعب من المجموعة الخطرة. وتطلب الأمر كذلك ١٠ بطاقات تقريبًا حتى بدأ المشاركون بتفضيل المجموعة الآمن دون أن يدركوا حقيقة ما يحصل. بكلمات أخرى، قبل أن يستطيع الدماغ التحليلي تفسير مايحصل في ساحة اللعب، أدرك حدس اللاعبين منطقة الخطر وأرشدهم لمنطقة الأمان.

دراسة مشابهة أُجريت لمعرفة قدرة الناس على توقع ما إذا كانت الصورة خلف ستارة رقم ١ أو ستارة رقم ٢. غير أن هذه الدراسة أجريت عبر الحاسب الآلي؛لذا لم يكن هناك ستائر حقيقية. وكما حصل في الدراسة السابقة، الباحثون قاسوا أيضًا الاستجابات الدقيقية لأجساد المشاركين في هذه الدراسة. وبشكل ملحوظ، وجدوا أن المشاركين في البحث كانوا قادرين على توقع الستارة الصحيحة قبل ٢-٣ ثوانٍ من اختيار الحاسب الآلي للستارة التي سيستخدمها. المشاركون لم يتبعوا دائمًا ما يقول لهم كفهم المتعرق، مع أن كفهم كان على صواب في كل مرةٍ تقريبًا. حقيقةً، كان المشاركون يملكون القدرة على توقع المستقبل (بـ٢-٣ ثوانٍ).

أخيرًا، هناك دراساتٌ أخرى وجدت أنه حين يأتي الأمر عند اتخاذ قراراتٍ كبيرة ومهمة في الحياة، مثل اختيار منزلٍ للشراء أو اختيار شخص للارتباط به، فإن ثقتك بحدسك تؤدي إلى نتائج أفضل منها حين تثق بالمنطق وتفكر بالعقل. واحدةٌ من هذه الدراسات وجدت أن مشتري السيارات الذين كان لديهم أوقاتٌ كثيرة للتفكير والبحث وقراءة كل المعلومات عن خياراتهم المتعددة، وجدوا فيما بعد أنهم راضون عن قرارهم بنسبة ٢٥٪ فقط. في الوقت ذاته، أولئك المشترين الذين اتخذوا قراراتهم سريعًا وبناءً على حدسهم وبديهتهم، وُجدوا بأنهم راضون بنسبة ٦٠٪.
وفي الوقت الذي كنتُ فيه شخصيًا متفاجئة بأن حدسي كان يأتي كثيرًا وكثيرًا أثناء إجرائي لدراستي السابقة المتعلقة بالناجين من مرض السرطان، كانت الدراسات المذكورة في هذه المقالة تخبرني أنني لا يجب أن أكون متفاجئة أبدًا؛ لأن حدسنا غالبًا يعرف ما هو الأفضل لنا حتى وإن كانت عقولنا المفكرة لا تفهم جيدًا ما يحصل. هذا لأن الحدس يبدأ من أجزاء الدماغ نفسها التي تنشط حين تقفز لنا الأخطار في أي لحظة، كما يحصل حين يظهر لنا فجأة نمر من خلف الشجيرات. هذا الجزء من دماغنا أصبح ماهرًا جدًا في تحسس الخطر المباغت علاوةً على الأماكن الآمنة.
ورغم ذلك،ولأن معظمنا يعيش حياة آمنة نسبيًا، فإنه يومًا بعد يوم يصاب هذا الجزء من دماغنا بالخمول! حتى تعتاد أجسادنا على خموله وتتجاهل رسائله حين ينشط. على أية حال، كلنا لانزال نملك هذا الجزء من دماغنا، والناجون من مرض السرطان، المتغلبون عليه، يعرفون جيدًا كيف يستخدمونه لفائدتهم.

المصدر: https://www.psychologytoday.com/blog/radical-remission/201405/the-science-behind-intuition

ترجمة:هديل المطيري
@had0l

مراجعة: لمى الخضير


شاركنا رأيك طباعة