اضطراب ثنائي القطب والإبداع 

تاريخ النشر : 03/07/2016 التعليقات :0 الاعجابات :3 المشاهدات :2174

اضطراب-ثنائي-القطب-والإبداع

 

في جامعة آيوا عام 1970م، قامت أندرياسن بأول دراسة تجريبية تناولت فيها العلاقة بين الإبداع والاضطرابات النفسية، وقامت بدراسة التاريخ العقلي لمجموعة تضُم 30 فردًا من الكتّاب البارزين.
في هذه الدراسة تتنبأ الباحثة بوجود علاقة قوية بين الإبداع والسكيزوفرينيا (الفصام) إلا أنها تفاجأت بوجود علاقة غير متوقعة بين الإبداع واضطرابات المزاج.
تؤكد الدراسة أن 80% من هؤلاء المؤلفين قد مرّوا على الأقل بنوبة اكتئاب أو هوس حاد أو هوس خفيف مرة واحدة على الأقل مقارنة بـ 30% من الفئة الأخرى التي أجرت الدراسة عليها. وتابعت أندرياسن هؤلاء المؤلفين على مدى 15 عامًا ووجدت بأن 43% منهم أُصيبوا باضطراب ثنائي القطب مقارنة بـ 10 % فقط من المجموعة الأخرى. خلال 15 عامًا من الدراسة والمتابعة أقدم اثنان من الكُتّٓاب على الانتحار.

استطلاع الأكاديمية الملكية:
في عام 1989م، قامت الطبيبة النفسية كايريدفيلد جاميسون-التي عانت بدورها من اضطراب ثنائي القطب- بإجراء مسح على مجموعة تضُم 47 فردًا من الكتّاب البريطانيين والفنانين التشكيليين في الأكاديمية الملكية البريطانية ووجدت بأن 38% منهم قد تم علاجهم من اضطرابات المزاج، ونصف الشعراء في دراستها قد احتاجوا بشدة إلى دخول المستشفى أو تعاطي الأدوية.
ذكر العديد من المُشاركين ردًّا على المناقشات التي طُرحت حول أهمية اضطرابات المزاج في العملية الإبداعية بأن تقلبات المزاج، الإدراك والسلوكيات التي سبقت نوبة الإبداع أو تزامنت معها.
و كانت أكثر التغيرات شيوعًا هي: فرط الحماس الحيوية، تضخم الذات وفرط الثقة بالنفس، تواتر الأفكار، الإحساس بالفرحة العارمة ( النشوة) وأيضًا ذكر المشاركون انخفاض ملحوظ للحاجة إلى النوم، ازدياد النشاط الجسماني وتصرفات خطيرة الطابع.
إن هذه التغيرات قد ارتبطت بشكل وثيق بالأعراض الإكلينيكية للهوس الخفيف.

خلاصة التطور:
الجينات الحاملة للاضطرابات كثنائي القطب عادةً ما تنتقل على مرور الزمن، لأن الأفراد المُتضررين لديهم عدد أقل من الأطفال. في الحقيقة، إن الجينات المسؤولة عن هذا الاضطراب قد تم الحفاظ عليها وتناقلها بين الأجيال على الرغم من تأثيراتها الضارة، وبالتي يجب علينا الاعتراف بأهمية التطور.
على غير العادة بين الاعتلالات النفسية والجسدية فإن الهوس الإكتئابي هو الأكثر شيُوعًا بين الطبقات الاجتماعية الراقية مما يُشير إلى أن الجينات المُهيأة لهذا الاضطراب هي مهيأة أيضًا لمزيد من الإنجازات العظيمة والنجاح في المُصابين أو في أقرباءهم.
كايريفيلد جاميسون- المذكورة أعلاه- هي تجسيد تام لهذه الخلاصة، كانت كاي أستاذة للطب النفسي في جامعة هوبكنز وأستاذة فخرية للغة الإنجليزية في جامعة سانت أندروز.
كتبت جاميسون العديد من الكتب التي تحمل انتقادات لاذعة بما في ذلك كتاب “عقل غير هادئ” تناولت فيه معاناتها وتجربتها الشخصية مع اضطراب ثنائي القطب.

من الممكن أن تؤدي الجينات المسؤولة عن اضطراب ثنائي القطب إلى مزايا على المستوى الفردي والجماعي.
فمن المرجح أن الفئات التي تحتوي على نسبة عالية من المبدعين هم أكثر تقدمًا وتطورًا على الصعيد الفني والثقافي.
من المحتمل أن تتفوق هذه الفئة في مجال العلوم والتكنولوجيا وتنجح بشكل مبالغ اقتصاديًّا وعسكريا.
إن هذه الفئة معرضة للبقاء أكثر من شرائح المجتمع الأخرى، وهكذا يتم الحفاظ على هذه الجينات المعتلة وتناقلها بين الأجيال.

بعض التفسيرات المُحتملة:
ترى أندرياسن بأن الشخص المبدع والخلاّق هو شخص مختلف عن الآخرين في كونه أكثر انفتاحًا على التجارب، الاستكشاف والمهام الخطرة.
إن مثل هذه الصفات تجعله يرى ويشعر ويفهم بشكل أكبر، لكنها قد تجعله أكثر عرضة للمعاناة والمزاج السيء ولا شك بأنه أكثر قابلية للضرر. قد يرى الفرد المبدع أن النظام الذي عادة ما يكون نوعًا من الأمان بالنسبة للأصحاء لا يكون بالنسبة إليه إلا وسيلة للفشل، ولهذا السبب إن هذا الفرد يشعر بحاجة ماسة إلى تجاوز الأعراف والتقاليد.
هذه الحرية التامة في نسيان كل ما حوله تمكنه من التركيز الشديد لتحقيق ما يريد. وهذا التركيز لم يكن إلا نوعًا من الهوس والنشوة التي بالنشاط الجسماني المسعور والرغبة الشديدة في العمل وتحقيق الأهداف وهذا كل ما تحتاجه أي عملية إبداعية.

بعد إجراء دراسة تفصيلية لأكثر الشخصيات البارزة في القرن العشرين، افترض الطبيب النفسي فيليكس بوست أن الانزعاج الذي يصاحب أي اعتلال عقلي يُعد في حد ذاته دافعًا رئيسيًّا للتعبير الإبداعي، وقد أكد العديد من الفنانين أن الأعمال الإبداعية والخلاقة تتيح لهم التخفيف التام من الكرب و الاستياء، كما لاحظ الطبيب النفسي أنطوني ستور (1920-2001) أن الإبداع ليس إلا وسيلة فعالة لحماية الفرد، وسيلة لاستعادة السُلطة والقوة على أولئك اللّذين فقدوا كل السيطرة على أنفسهم، و أيضًا يعد الإبداع بدرجة متفاوتة وسيلة لإصلاح النفس التي تضررت بسبب الفجائع و فقدان الثقة في العلاقات الإنسانية التي عادة ما ترافق الاكتئاب.

نظريتي:
وجدت دراسة حديثة في جامعة ستانفورد أجراها سانتوس وزملاؤه بأن الأشخاص المصابين باضطراب ثنائي القطب هم أكثر قدرة على الإبداع من الأشخاص الأصحاء وذلك عن طريق مقياس للإبداع يسمى بارون-ولاش للفن.
و في دراسة أخرى سعى نفس الباحثين إلى تحديد الصفات المشتركة بين الأفراد المبدعين والمصابين باضطراب ثنائي القطب ألا وهي: تحولات وتقلبات بين النشوة (القمة) و الاكتئاب الشديد (الحضيض) وتضم هذه التحولات الانفتاح، التهيج والعصابية (مزيج من القلق والكمال) خلال نوبات الاكتئاب تكون هذه الفئات قادرة على التقهقر داخل أنفسهم، التفكر، القضاء على الأفكار الهامشية والتركيز الشديد على الضروريات و أيضًا وضع الأفكار والأحاسيس في مسارها الصحيح ومن ثم خلال نوبات الهوس يكون الفرد على مقدار عالي من الثقة بالنفس من أجل التعبير الإبداعي وتحقيق الأهداف.

ملاحظات:
قد تدل تقلبات المزاج على الأعمال الإبداعية لهؤلاء المصابين باضطراب ثنائي القطب ويتجلى ذلك في قصائد سيليڤيا بلاث و في مؤلفات تشايكوفيسكي (بحيرة البجع) و لابد من التأكيد، أولًا ليس كل الأفراد الذين يعانون من اضطراب ثنائي القطب هم بالضرورة مبدعين، ثانيًا هؤلاء المبدعين يميلون إلى كونهم أكثر إنتاجية وإبداعًا خلال فترات الخمود حينما تكون الأعراض إما غائبة أو خفيفة. ذكر معظم الأفراد المبدعين والذين يعانون من اضطراب ثنائي القطب بأنهم غير قادرين على إنتاج أي عمل متماسك بسبب عدم المقدرة على التركيز وخلل واضح في تحكيم العقل. إن الانغماس في نوبات الاكتئاب والهوس مرهق ومتعب كليًّا وفي بعض الحالات من الممكن أن يؤدي إلى الموت انتحارًا. حتى أولئك الأشخاص الذين هم على قدر عالي من النجاح والإبداع مثل سيليڤيا بلاث وفرجينيا وولف أقدموا على الانتحار في نهاية الأمر. ومن أجل هذه الأسباب لا يصح النظر إلى الاعتلالات العقلية بطريقة رومانسية أو أن تترك ببساطة بدون علاج. إن جميع الاعتلالات النفسية هي باهتة ومؤلمة جدًا و بالتأكيد معظم المصابين لا يتمنون حدوثه لأي شخص آخر.
من المهم التأكيد على أن العديد من العباقرة لم يعانوا من اضطراب ثنائي القطب ومعظم المصابين بهذا الاضطراب ليسوا عباقرة.. ولذلك يصبح من المنطقي القول بأن الهوس الاكتئاب ليس ضروريًا أو كافيًا للعبقرية والإبداع.
يبدو أكثر قبولًا القول بأن العبقرية تُهيئ لاضطراب ثنائي القطب وليس العكس، إن عدد المعتلين العباقرة أقل بكثير من عدد العباقرة المعتلين.
في الحقيقة إن الأشخاص المصابين باضطراب ثنائي القطب هم أكثر إبداعًا مما يؤدي إلى القول بملاءمتهم وانجذابهم للفنون أكثر من مجال العلوم وبالتالي في حين أنه قد تكون هناك علاقة بين العبقرية واضطراب ثنائي القطب إلا أن الأدلة لا تزال غير كافية.

 

المصدر: https://www.psychologytoday.com/blog/hide-and-seek/201203/bipolar-disorder-and-creativity
ترجمة: أسماء القناص
@samalqnass
مراجعة : بدرية العمري


شاركنا رأيك طباعة