هل للقشرة الأمامية في الدماغ دور في الرؤية؟

تاريخ النشر : 16/06/2016 التعليقات :0 الاعجابات :3 المشاهدات :1068
الكاتب البندري العتيبي

دكتوراه في علم النفس من جامعة نوتنجهام

هل-للقشرة-الأمامية-في-الدماغ-دور-في-الرؤية؟

تشير البحوث إلى أن القشرة الأمامية للدماغ يمكنها أن تتحكم في الرؤية٬ بل وبإمكانها أن تغفلك عن رؤية شيء ما يقع مباشرة أمام ناظريك!

معلق رياضي يصيح باندفاع “اعتراض! درو بريس رمى الكرة مباشرة في يد الظهير المنافس٬ وكأنه حتى لم يره!”
يقول دوبرومير رانيف المتخصص في علم النفس بدرجة أستاذ مساعد في معهد جورجيا للتقنية أن اللاعب على الأرجح لم ير المدافع الذي كان يقف مباشرة أمامه. رانيف يقود فريق بحثي لاكتشاف كيف يقوم الدماغ بتنظيم الإدراك البصري٬ بما في ذلك كيفية تجاهل المعلومات البصرية الموجودة على مرمى البصر.

رانيف وباحثون آخرون من جامعة كاليفورنيا خرجوا بخريطة تقريبية لدور القشرة الأمامية للدماغ في التحكم بالرؤية. نشروا دراستهم في المجلة الدورية للأكاديمية القومية للعلوم٬ ٦ مايو من العام الجاري ٢٠١٦

قبعة التفكير:
غالباً ما تُرى القشرة الأمامية للدماغ باعتبارها “قبعة للتفكير”٬ أي أنها الجزء الذي يعتبره العلماء مسئولاً عن التفكير واتخاذ القرارات في الدماغ٬ ولكنه في العادة لا يرتبط بالرؤية. البعض كما يذكر رانيف لا يعتقد أبداً بتأثير هذا الجزء على الرؤية. ولكن البحث الذي قام به رانيف وزملائه يؤكد على هذا الدور. ربما يرجع ضعف الارتباط بين القشرة الأمامية للدماغ والرؤية إلى حقيقة وجود ارتباطات واضحة بين بعض أجزاء الدماغ لتحويل المعلومات البصرية إلى مشهد٬ وارتباط بعض الأجزاء الأخرى بمهام أخرى تتعلق بالمعلومات البصرية كالتحديد والتعرف على المواضيع المكونة للمشهد البصري. قبعة التفكير “القشرة الأمامية للدماغ” تتحكم وتشرف على عملية الإدراك البصري٬ مما يجعلها بمقدار أهمية هذه الأجزاء الأخرى والتي أظهرت التجارب ارتباطها الواضح بمسار الرؤية. والجميل في معرفة كيفية عمل قشرة الدماغ الأمامية في هذا المجال أنها ربما تفسر لماذا أحياناً نفشل في رؤية ما هو أمام أعيننا مباشرة.

البصر ليس كاميرا:
نحن نشعر أن نظامنا البصري مثل آلة كاميرا٬ ولكن هذا خطأ تماما٬ أدمغتنا لا تقوم بالرؤية فقط ولكنها وبشكل نشط تقوم ببناء مشهد بصري وتقوم باتخاذ قرارات بشأنه. أحياناً القشرة الدماغية الأمامية لا تتوقع أن ترى شيئاً ما، لذلك تقوم بحجبه عن إدراكنا حتى وإن كان بداخل مجالنا البصري تماماً. ليختبر رانيف وزملاؤه درجة تدخل القشرة الأمامية للدماغ في الرؤية قاموا بتصميم تجربة تتكون من جزأين رئيسين.
في الجزء الأول تمت ملاحظة نشاط مناطق الدماغ –بالأخص القشرة الأمامية- عند إكمال مهمات بصرية من قبل أصحاء متطوعين. وجد الباحثون أن هناك ٣ مراحل أساسية تعكس عملية الإدراك البصري ألا وهي الاختيار٬ الدمج٬ وأخيراً التقييم.
في الجزء الثاني من التجربة قاموا بتثبيط تلك المناطق التي قد نشطت سابقاً لتعكس المراحل السابق ذكرها وذلك باستخدام تقنية التحفيز المغناطيسي للتأكد من ارتباط هذه المناطق بالمراحل الثلاثة للرؤية.

الاعتقاد هو جزء من الرؤية:
المرحلة الأولى للإدراك البصري والتي اختبرها الباحثون هي مرحلة الاختيار. و ذلك عندما يختار العقل بعضاً من الكم الكبير من المثيرات البصرية المتاحة ليتنبه لها. في حالة لاعب كرة القدم –المثال السابق- هذا ربما يعني التركيز على مسار الكرة والمتلقين المحتملين للكرة.

المرحلة الثانية هي مرحلة الدمج. يعمل الدماغ هنا على دمج المعلومات البصرية ويقوم بمعالجتها مع مواد أخرى تتعلق بالموقف نفسه. في حالة اللاعب فإن دماغه عالج ما رآه في الواقع جنبا إلى جنب مع التوقعات المستندة على اللعبة. ثم يأتي التقييم. احتاج اللاعب إلى أن يقرر بعد معالجة هذه المعلومات، هل يجب أن يرمي الكرة٬ متوقعاً أن يوقف أحد ما المدافع في الفريق المنافس “وقد تبين أن هذا لم يحدث”. من المحتمل أيضاً أن القشرة الأمامية لدماغ اللاعب حجبت هذا اللاعب عن إدراكه فرمى الكرة مباشرة إليه دون أن يعي ذلك.
يشرح رانيف ذلك بقوله “القشرة الأمامية للدماغ ترسل إشارات لجعل انتباهك يقع على المنبهات والمثيرات البصرية التي اخترت معالجتها ثم تقوم القشرة الأمامية بعد ذلك بدمج هذه المعلومات البصرية مع بعضها ومع معطيات الموقف لتعطي تقييماً أولياً لما اعتقدت أنك قد رأيته”.

خريطة الدماغ للرؤية المبسطة

في هذه التجارب، أظهر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي إضاءة مناطق مختلفة من القشرة الأمامية والتي تقابل كل منها وظيفة مختلفة تعكس المراحل الثلاثة للرؤية.
تم تفعيل الجزء الخلفي من القشرة الأمامية خلال المرحلة الأولى وهي وظيفة الاختيار؛ أما القسم الأوسط للقشرة فقد أضيء خلال مرحلة الدمج، والجزء الأمامي أو الجبهي،نشط أثناء مرحلة التقييم.
من خلال ذلك توصل الباحثون إلى هذه الخريطة للقشرة الأمامية للدماغ. يذكر رانفي “أنها خريطة بدائية ” فهي بسيطة حيث أنها تخبرنا فقط بأن ” هذا ما يحدث في الجزء الخلفي، وهذا ما يحدث في الوسط. وهذا ما يحدث في الجزء الأمامي. ”

الدليل الحاسم:
الدليل الحاسم لهذه الخريطة يأتي من استخدام تقنية التحفيز المغناطيسي. عندما استخدم الباحثون هذه التقنية لتثبيط المنطقة الخلفية أو الوسطى للقشرة الأمامية كلاً على حدة٬ أظهر أفراد العينة قدرة أقل على أداء الوظائف المرتبطة بتلك المناطق ألا وهي الاختيار أو الدمج. وعندما قاموا بتحفيز الجزء الأمامي٬ أظهرت العينة تطورا صغيرا ولكن جوهرياً في تقييم دقة أدائهم فيما اعتقدوا أنهم رأوه. وهذا ما يبرهن بشكل واضح على دور القشرة الأمامية للدماغ في التحكم بالرؤية والتي عادة ما تُرى باعتبارها محل التفكير والعمليات العقلية العليا فقط.

أعتذر.. سعادة ضابط المرور!
أحد التطبيقات العملية لهذا العمل البحثي يتعلق بالصحة والسلامة. في حالات كثيرة من حوادث السيارات يخبر سائقي المركبات ضباط المرور بأنهم لم يروا هذا قادماً. الإلهاء عادة ما يكون هو الجاني الحقيقي في هذا النوع من الحوادث٬ حيث أنه يرهق تنظيم الإدراك البصري. الوظائف الثلاثة للرؤية تسير طوال الوقت معاً في سيناريوهات متعددة داخل أدمغتنا أثناء قيامها بمعالجة المعلومات من العالم المحيط بنا.

ولكن إضافة معلومات كثيرة جداً في نفس الوقت٬ كإرسال الرسائل الالكترونية خلف المقود من الممكن أن يرفع احتمالات اصطدامك بمركبة متوقفة داخل مجال رؤيتك دون أن تدرك وجودها قبل ذلك!

للاطلاع على الدراسة المنشورة:
Dobromir Rahnev et al, Causal evidence for frontal cortex organization for perceptual decision making, Proceedings of the National Academy of Sciences (2016). DOI: 10.1073/pnas.1522551113
المصدر الذي تمت الترجمة منه:

http://medicalxpress.com/news/2016-05-brain-frontal-cortex-vision-plain.html

 

ترجمة: البندري العتيبي
twitter
88a88b88

مراجعة: بلقيس الشريف

تدقيق: أحمد الطلحي


شاركنا رأيك طباعة