ما الذي يسبب السرطان؟!

تاريخ النشر : 22/05/2016 التعليقات :0 الاعجابات :3 المشاهدات :1559
المراجع فيصل آل حسين

المدقق حمزة الفقير

طالب بكلية الطب بجامعة الملك سعود بن عبدالعزيز للعلوم الصحية ، مهتم بالأدب والإلقاء والكتابة.

ما-الذي-سبب-السرطان؟!

“ولكن، ما الذي سببه؟” سألتني مريضة لدي قاصدة بذلك فشل نخاعها العظمي في صنع خلايا الدم التي تحتاجها أعضاؤها الأخرى بشدة. كانت مصابة بفقر دم حاد، و بدت متعبة حتى من مجرد السؤال. العشرات من مرضاي سألوني نفس السؤال،  بل عشرات العشرات. أعتقد بأن السؤال يعكس الرغبة البشرية بإعادة النظر في الأحداث التي وقعت على مر العمر، و التفكير فيما لو أن مسارا آخرا قد سلك كان بإمكانه تفادي النتيجة الغير مرغوب فيها حاليا.

في  الحقيقة، ما عدا في حالات نادرة، يكاد يكون من المستحيل القول بأن التعرض لعامل بيئي معين تسبب في سرطان شخص ما. غالبية السرطانات  تظهر بشكل عشوائي، كما لو كانت هذه السرطانات تسخر من حاجتنا لإيجاد سبب واضح للإصابة بها. لكن هذا لا يمنعني من المحاولة لإيجاد سبب أثناء زيارتي للعيادة حينما يكون دوري أنا في طرح الأسئلة. و أحيانا، أقنع نفسي بأني كشفت الغطاء عن الحقيقة التي تشرح سبب حدوث المرض.

أحد المرضى، رجل في السبعينات من عمره، أخبرني بأنه قد خدم في العسكرية.

سألته: “في أي فرع؟”

أجابني بفخر: “البحرية”.

سألته: “هل شهدت أية معركة؟”

لمح زوجته بشكل سريع، و كأنه يتأكد بأنه لا مانع لديها من سرده لهذه القصة التي ربما سمعتها هي مئات المرات من قبل. أومأت برأسها بشكل خفيف، مبدية موافقتها.

قال المريض: “كنت في أحد السفن النشيطة خلال أزمة الصواريخ الكوبية”.

قلت معبرا عن شكي: “واو! و كيف كان ذلك؟”

أجابني المريض ضاحكا: “حار، و رطب. كان و كأنه جحيما”.

هززت رأسي غير مصدقا، بدون أن أتفوه بأي كلمة؛ محفزا إياه على إكمال القصة.  

“نعم، في الحقيقة، الطريقة الوحيدة التي كنا نهرب بها من الحر أنا و زميلي كانت أثناء الليل. بدلا من الاستلقاء في أسرتنا، كنا نضع المفارش على سطح السفينة، بين خزانتين  معدنيتين. المعدن كان باردا في الليل. كانوا يبقون الأسلحة النووية في هذه الخزانات.”

مستودع الأسلحة النووية على بعد قدم من نخاعه العظمي. من الممكن، منذ أكثر من خمسين سنة مضت، كان هو المتهم بجريمة إصابة مريضي بالسرطان.  بالرغم من ذلك، لن أعرف الحقيقة الجازمة أبدا.

مريضة أخرى، منذ سنوات قليلة مضت، أخبرتني أنها كانت معتادة على العيش في ولاية نيفادا.

سألتها، كما أسأل جميع مرضاي: “هل سبق و أن تعرضتي لأي لمواد كيميائية أو إشعاعية أنت على بينة منه؟”

أجابتني: “لا أتذكر شيئا عن هذا الصدد”، ثم عضت شفتها و كأنها تذكرت شيئا ما. بقيت أنا صامتا.

بدأت ضاحكة بينها و بين نفسها: “حسنا”، فأكملت: “اعتدت على العيش في ولاية نيفادا خلال فترة الخمسينات. و أتذكر في العديد من المرات كانت هناك منشورات إعلانية ملصقة على أعمدة الهاتف، داعية كل سكان المدينة للخروج في الهواء الطلق لمشاهدة سحابة كبيرة على شكل الفطر، و التي تنبعث تابعة لتجربة انفجار قنبلة نووية في القرب. كنا جميعا نقف في الخارج و نشاهد، و بعد ذلك، تعبر الرياح الساخنة المنبعثة من الانفجار في أرجاء المدينة،  لافحة إيانا تقريبا”.

تصورت أمواج الإشعاع المنبعث، مطوقا نخاعها العظمي الحساس حينما كانت مجرد فتاة صغيرة.

كان لدي بعض المرضى الذين ذكروا لي عملهم في محلات أحذية، حينها كانوا يستخدمون الأشعة السينية كوسيلة لقياس القدم للحصول على مقاس حذاء مثالي، كانوا يفعلون ذلك بدون استخدام سترة الرصاص للوقاية من الأشعة. و غيرهم ممن عملوا في محلات تصنيع الإطارات، و غمرها يوم و إخراجها في اليوم التالي، في برميل البنزين؛ و الذي يعتبر مادة كيميائية معروفة بكونها مسبب قوي للسرطان. حتى عمي ذكر لي ذات مرة بأنه استخدم الإشعاع لعلاج حبوب الشباب في ظهره خلال فترة الأربعينات. لقد مات عمي بسبب سرطان الدم قبل سنوات قليلة مضت.

هل من الممكن أن هذه التعرضات التي حدثت منذ عقود مضت، أن تكون هي من سببت السرطان في مرضاي الذين هم الآن في السبعينات و الثمانينات من أعمارهم؟

المحققون في معهد أمراض القنبلة الذرية، المنشأ في عام 1962 في ناجازاكي، اليابان، تابعوا الناجين من انفجار القنبلة الذرية في عام 1945؛ لدراسة الآثار المتأخرة للإشعاع على الجسم البشري. لديهم معلومات دقيقة عن موقع و بعد كل شخص حين الانفجار بالنسبة لمركز القنبلة؛ لقياس كمية الإشعاع التي تعرض لها جسمه. في أحد الدراسات، درس الباحثون مدى حدوث إصابات جديدة بمتلازمة تخلل النسيج النقوي، نوع من سرطانات النخاع العظمي، في مرضى تم تشخيص إصابتهم بالمرض  بين عامي 1985 و 2004. المرضى الذين كانوا أقرب للانفجار، و الذين تعرضوا لنسبة إشعاع أكبر، و كانوا أصغر في العمر وقتما انفجرت القنبلة، كانوا في نسبة خطر أعلى للإصابة بالسرطان. كان متوسط العمر وقت التعرض للإشعاع 9 سنوات، و وقت التشخيص بالإصابة بمتلازمة تخلل النسيج النقوي 71 سنة.

إنه ليس من الجنون تماما التفكير بأن تلك الأحداث السمية التي تعرض لها مرضاي حينما كانوا صغار قد أنتجت إصابات في نخعهم العظمية  والتي بقيت هادئة حتى تعدوا سن التقاعد.

أو من الممكن أن أكون فقط متلهفا، تماما كمرضاي؛ لإيجاد أي سبب لسرطاناتهم غير كونه “حظ سيء”. كما لو كان إيجاد سبب للمرض سيمكنني بطريقة ما من السيطرة عليه بشكل أفضل.

المترجمة: نجلاء بن صبار (Twitter: @nbinsabbar)

المراجعة: فيصل آل حسين

تدقيق: حمزة الفقير

رابط المقال الأصلي:

 http://mobile.nytimes.com/blogs/well/2016/04/21/wondering-what-caused-the-cancer/


شاركنا رأيك طباعة