هل نفقد حكمتنا الجوهرية لماهية الحقيقة

هل نفقد حكمتنا الجوهرية لماهية الحقيقة

29 ديسمبر , 2021

ترجم بواسطة:

ندى أشرف

دقق بواسطة:

بلقيس الصالح

لو نشأنا لمدة ليست بالقصيرة على خطأ ما، فإن المكابرة والعناد تبدو أسهل وأقل وطأة من الحقيقة.

النقاط الرئيسية:

  • عادةً ما نفترض في أي جدال أن شخصًا واحدًا على الأقل يقول الحقيقة.
  • ليس بوسعنا أن نكون خبراء بكل شيء، لذا يجب توفر أدلة موثوقة إن أردنا معرفة الحقيقة.
  • تعتمد الحقيقة على معنى الكلمات داخل السياق، ونظرًا لعدم دقة اللغة منطقيًا فلدينا انفتاح في المعنى مما يؤدي إلى الاختلاف في الرأي.

مجموعة المناقشات التالية تعد نتاج رائع لأحد المدونات، حيث يوجه الكتَّاب كتاباتهم لجمهور خيالي ظناً منهم أن كلماتهم ذات الخلفية المشعة على الشاشة ستكفل إيصال الأفكار كما لو كانت مكتوبة بحبر الآلات الكاتبة. وكأن استشعار هذه النقوش على الورق هو ما يعطي للكلمة مصداقيتها. 

تتناول هذه المقالة على وجه الخصوص ما تعلمته من القراء بعد مقالي “الدليل المفقود للحقيقة” والذي كان يناقش ما إذا كنا نشعر بالحقيقة والزيف أم لا، فدعونا نواصل ذلك الحديث.

تحتوي ويكبيديا على كم هائل من المعلومات والحقائق مقارنةً بضئيل ما نعرف، ولكنها أيضاً تحتوي على الكثير من المعلومات الخاطئة، مما يدعونا لأن نقيم صحة المعلومة بغريزتنا، ولكن ألا يعتبر هذا تحيزاً؟ إن ما نحتاجه حقًا هو الوثوق في الأدلة التي تدعم صحة المعلومة. يمكنني على سبيل المثال التأكد نوعاً ما أن السيارة التي أركبها الآن ملكي، لأن المفاتيح تناسبها.

يغير تفكيرنا أحياناً ظهور حقائق جديدة، وقد لا يغيرها.

ولهذا ففي بعض الأحيان يكون من المجازفة إدعاء امتلاك الحقيقة في حين وجود احتمال أن ما نعتقد بصحته لم يكن صحيحاً أصلاً. لنعود إلى مثال السيارة، قد قلت ” أنني متأكد نوعا ما…” واستخدمت كلمة “نوعاً ما” هنا، لأنه يتوجب علي في البداية التأكد التام بأن المفاتيح ذاتها ملكي. كل حقيقة تعتمد على افتراض.

يحتوي الإنترنت على آلاف الأفكار المتعارضة، حتى أن هناك من يزعم بأن الكرة الأرضية مسطحة. كيف يمكن لشخص عادي أن يغربل كل ذلك اللغو ليصل إلى الحقيقة؟ بالإضافة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح الفرصة لجمع “الآراء” واعتمادها كحقائق من خلال التحاور مع عقليات مماثلة. لا يوجد إطلاقاً كيان غير متحيز؛ حيث لا يمكن الوثوق بأي فرد أو جماعة بما في ذلك الحكومات، حتى علماء التغذية لم يجمعوا على قرار حول كون القهوة مفيدة أو مضرة، فأين يمكن للمرء أن يبحث عن إجابة إذاً؟ لا نملك مثلاً تطبيقاَ ذكياَ يحتوي على حقائق علمية غير متحيزة وإجابات لا تحتمل الشك والتأويل مجمع عليها عالمياً.

إن ما أريد قوله، هو أنه يجب أن يكون بحيازتنا أدلة موثوقة نعرف بها الحقيقة، وحتى في هذه الحالة لن نكون متأكدين بنسبة 100%. لديناً جميعا تحيزات تتماشى مع معتقداتنا، ولكن بإمكاننا أن نكون أكثر انتباهاً للأكاذيب إن وثقنا بحدسنا.

ليس من الحكمة تبني اعتقاد بلا دليل، ولكن الأسوء هو التمسك بالاعتقاد رغم غلبة الأدلة التي تنافي صحته.

يقول كارل ساغان: ” قد تكون الحقيقة محيرة، وقد تحتاج بذل بعض الجهد لمواجهتها. فقد تكون غير متوقعة، أو قد تتعارض مع ما تحمله من أحكام مسبقة راسخة، أو لا تتفق مع ما ترغب بشدة في اثبات صحته، ولكن تفضيلاتنا لا تحدد الحقيقة”. المفارقة هنا أن الاستشهادات لهذا الاقتباس خاطئة في عشرات المقالات من قبل المؤلفين الذين ببساطة نسخوها من آخرين.

إذا أمعنت النظر في محادثة بين شخصين يحملان آراءً متضاربة كليًا، قد تجد أن الصراع الظاهري ليس له محل من الأساس. وكما هو متوقع، قد تسمع كلمات لا تتوافق مع معنى الجملة، فكيف يحدث شيء كهذا؟

يفسر الفيلسوف الإنجليزي دايفيد هيوم الأمر بإيجاز ” الاعتقاد هو شيء يشعر به العقل، وهو الذي يميز بين الأفكار النابعة من البصيرة وتلك التي نسجها خيالنا”. “يشعر؟”، ما هو شعور الاعتقاد؟ نحن لا نتذوقه أو نشمه أو نراه أو نسمعه، ولا نشعر به كما نشعر بالدفء أو البرد، أو ألم الأسنان، ومع ذلك، نشعر بالغضب والحزن والسعادة. والحب والكراهية والغضب، حتى أنه بإمكاننا الشعور بانطباعات المديح والذم. ولكن هل يمكن أن نشعر بالاقتناع؟ أم هذا فقط نابع من الرغبة الشديدة في كون شيء ما حقيقيًا؟

وحيث أن اللغة تفتقر إلى الدقة منطقياً، يصبح لدينا انفتاح في المعنى، الأمر الذي يؤدي إلى الاختلاف في الرأي، وهذا أمر طبيعي جداً. يجلب هذا الانفتاح معه سخاءً في الفكر، فتظهر أفكار مبتكرة من شأنها تغيير المفاهيم. ومن العوامل الأخرى التي تؤدي إلى اختلاف الرأي، هو أن لدينا انحيازات راسخة لأفكار المجموعات التي ننتمي لها.

لما نصدق أي شيء ؟ ما الشيء الذي يحقق لنا لغة حوار تضمن لنا صحة ما نصدقه؟

تعتمد قناعاتنا على لغتنا الداخلية. وتحدث فتجنشتين عن المعاني المختلفة لكلمة “هو/هي”، فيمكن استعمالها كرابط، أو تستخدم للمساواة، أو التعبير عن الوجود. فبمقدور المرء أن يقول ” الأخضر هو الأخضر”، وينطوي الغموض هنا في أن الكلمتين -الأولى والأخيرة- قد تعنيان اللون الأخضر في تكرار للمعنى لا فائدة منه، ويمكن كذلك للأولى أن ترمز إلى اسم علم والثانية ترمز إلى صفة اللون الأخضر. وبهذا، توصل فتجنشتين إلى أن الطريقة الوحيدة لتجنب هذا اللبس عند طرح الأفكار هي تكوين لغة دقيقة ومنطقية حيث كل كلمة تحمل معنى فريد، وينقل هذا المعنى بالجملة وليس بالكلمات الفردية.

نادرًا ما يصل المعنى من كلمة واحدة، ويتطلب الأمر عبارة أو جملة ذات كلمات منسجمة مع بعضها لرسم صورة للمعنى. عندما استخدم الرئيس السابق كلمة “قاتلوا” في تجمهر 6 يناير\كانون الثاني ذو الشهرة السيئة، هل كان ينقل المعنى الحرفي لفعل القتال؟ وإذا لم يكن كذلك فلماذا لم يستخدم كلمة أقل عدائية، لنقل مثلاً “اشتبكوا”، قد يجادل البعض أن الكلمتين مترادفتين. فإذا كان الأمر كذلك، فكيف تكون كلمة “بضراوة” ملائمة في هذا السياق؟ فلا يمكن للمرء أن يشتبك بضراوة. وظهرت كلمة قاتلوا في خطابه 21 مرة وكلمة ضراوة 15 مرة. ولو أنه استخدمهما لمرة أو اثنتين لقلنا أنها زلة لسان ولكن استخدامها أكثر من عشرات المرات يؤكد أن الأمر أخطر من ذلك.  

ويمكننا استيعاب الأمر بالعودة إلى مقولة عالم الرياضيات الفرنسي هنري بوانكاريه، “نحن ندرك مدى قسوة الحقيقة، ونتساءل في أغلب الأحيان أليس الوهم بنا أرحم”.

المصدر: https://www.psychologytoday.com

ترجمة: ندى أشرف  

مراجعة: بلقيس الصالح

تويتر: Balqees_a_


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية