من نافذتي فقط

من نافذتي فقط

30 يوليو , 2021

ترجم بواسطة:

عهود هادي

دقق بواسطة:

زينب محمد

أمسكت معلمة الصف السادس القلم الأحمر وكتبت على السبورة بخط كبير ” ليس كُل من يتحدث يفعل” وطلبت من تلميذاتها القيام بمشروع بسيط يُوضح المبدأ المكتوب، وأخبرتهم بأن لديهم أسبوعًا واحدًا فقط ليسلموا مشاريعهم للحصول على تقيمهم الثاني في مادة الإنشاء.

كانت هذه الفكرة اللامنهجية نابعة من تجربتها مع الكتاب الأنيق الذي اشترته مؤخرًا بعد ضجته الإعلامية، كيف كانت عباراته سطيحة جدًا ولا تحمل أي معنى، حتى أنها ولأجل أن لا تكسر العادة، أنهته على مضض وبلا شوق للرجوع، إنها تعي أن المفردات العربية تنساب بثقل من الأفواه الحالية و تتسلل بعيدًا عن قاموس الجيل القادم، لكن ما يؤرقها أكثر لماذا النُدرة في الحبكة ؟ النُدرة في المعنى، النُدرة الكبيرة من البلاغ العربي الواضح. وقد خرجت بفكرة أن ما يقع على عاتقها هو تحسين ولو مُكون واحد من مكونات عجين هذا الجيل قبل عجنه.

بعد مُضي أسبوع، حضرت المُعلمة للصف مُبكرًا وسحبت كُرسيًا وركنته على أحد الجدران وجلست، ثُم قالت بنفسٍ واحد : “اليوم سأشاهد صنيعكن ولا أُريد أعذارًا، كُل من أنادي باسمها تأتي لمقدمة الصف وتعرف بنفسها وتقدم مشروعها في دقيقة واحدة، هل أنا واضحة لكُن؟” التلميذات بصوت واحد: “أجل أيتها المعلمة”.

 حسنًا أول تلميذة في القائمة هى ميّ، تفضلي ..

نهضت ميَ و عرفت بنفسها وقالت: “ما فعلتُه بسيط جدًا، لقد حاولت أن أحُصي عدد المرات التي هددني أبي بضربي ولم يفعل وكتبتها في هذه الورقة ورفعت ورقة مُذكرات صغيرة كُتِب فيها عشرون رقمًا”. وتابعت : “قُمت أيضًا بسكب العصير على المائدة ليلة البارحة وقد غضب والدي جدًا وقرر أن يحرمنّي من مشاهدة التلفاز، لكنه لم يفعل لتكون هذه المرة الواحدة والعشرون له”.

قالت المعلمة بفرح : “رائع يا ميّ، رائعة كعادتكِ”، ثم دنت لتدون كلمة ” اجتازت ” في أسفل ورقة التقييم .

آآمم التالية هى: سارا، تفضلي ..

بدأت بتعريف مبسط عن نفسها وقالت: “كتبتُ تواريخ بعض العُطل الصيفية والخطط المُقترحة من قبل عائلتي لاستغلالها”.

“في صيف 2017 كانت الخُطة أن نقضي شهرين في مركز صيفي في مدينة الطائف. وفي صيف 2018 كُنا ننوي الاستجمام على شواطئ  محافظة الليث – إحدى أكبر مُدن منطقة مكة المكرمة  – وصيف 2019 كُنا قد قررنا زيارة جدتي في مدينة لندن ودراسة اللغة الانجليزية لمدة شهر. وقد قضينا عُطلنا جميعهٌا في تنظيف البيت وترتيبه وكُل خُطط عائلتي كانت أحاديث وليست أفعال. وقد أخبرتني عائلتي بأن إجازة هذا الصيف سنقضيها في جزر فرسان، وسأطلعكم على ما سيحدث و ….. “.

لم تدع المعلمة سارا تُنهي جملتها؛ فهى متأكدة الآن أن لديها الصورة الصحيحة للمبدأ، “أحسنتِ يا سارا، أنتِ مُجتازة” – قالتُها المعلمة بانشراح .

واستمرت التلميذات بإلقاء المشاريع التي تدور في نفس المنظور وجوف المعلمةِ يمتلِئُ فرحًا في كُل مرة، بكونها تمكنت من إفهام التلميذات بسهولة.

قالت المعلمة وهى تنظر للقائمة:”أنتن تبلون  بلاءً حسنًا، لنرى من تبقى”.

حينما وقعت عينيها على اسم قُطب، اجتاحتها الخاطرة التي كتبتها قُطب في التقييم الأول، والتي قالت فيها حينما طلبت منهم كتابة خاطرة عن ( مُلوثَات الكوكب ): 

“الكوكب سيتقيأ من كثرة الحروب والدناءة البشرية، وذو المناصب تاركين نهر تركيزِهم ينصبٌ في طريقة التشبُث الجيدة التي تتيح لهم زمنًا أكثر للبقاء راكدين على تلة الرخاء وفي آخر مثلث اهتمامهم أوراق متراكمة بقضايا وإغاثات لأشقاء الدم، هى أوراق كثيرة واكتنازها سيجعل الكاهل أثقل وذاك سيُسبب اضطرابًا في اتزانية التشبُث، لذلك جعلها تتناثر في مهب الريح الخيار الأنسب للبعض”.

وراحت تتذكر كم من الخيبة التي اكتسحتها حينما لم تستطع فهم ما تُريد قُطب قوله وما صلة كل هذا بذاك – إن ما تخشاه هو الكُتاب غير الواضحين في رسالتهم رغم جودة الكلمات المستخدمة- وهذا الأمر جعلها تعود مرارًا وتكرارًا إلى خواطر التلميذات وكان الأغلب قد كتب عن الملوثات والمخاطر التي تصيب الكوكب جراء ذلك وهذا ما تُريده؛ لذلك سألت المعلمة قطب: “ألا تعرفين ملوثات الكوكب ؟”.

قُطب: “بلى، أعرفها تمامًا، لكنّي أشعر أن الأكثر تلوثًا من كل هذا هو دناءة البشر التي تسببت في حروبٍ شتى”.

عدم التقاط قُطب للفكرة التي برأس المعلمة كما هى أقلقها، يبدو أنني لم أكن دقيقة في اختيار الكلمات، لعلّي أٌبسط الأمر في التقييم الثاني،  هكذا فكرت المعلمة آنذاك . 

انتهت الخاطرة سريعًا وعادت المعلمة لتقول : “قطب أنه دوركِ …. تفضلي”.

وشرعت في تدوين البيانات على الورق وأرخت سمعها لما سوف تقوله قُطب.

نهضت قطب وقالت : “اسمي قُطب وهو اختصار لاسم قطبية، وكنت قد أخبرتٌكم أن أمي عالمةُ كيمياء وقد أحبت الروابط القطبية بين الجزئيات لذلك أسمتني بهذا الاسم”.

توقف الصوت لبُرهة، رفعت المعلمة عينيها وإذا بقطب عائدة  لمقعدها وانحنت أسفله والأعين تتحرك معها لتسحب إناء عريض مصنوع من الرخام الأبيض قد مُلء نصفُه بالتراب حملته وعادت للمكان الذي بدأت فيه الحديث وقالت:

“يُقال في الأمثال من أشكل المشكلات توضيح الواضحات، لقد حاولت شرح المبدأ بطريقة مختلفة”  رفعت الإناء وقالت : “لقد دفنتُ كِتابًا يحمل  في طياته الكثير عن البقول وكنتُ أسقيه يوميًا لمدة أسبوع، لكن النتيجة أنه لم يُنبت حبات الفول والعدس”.

– دهشة وصمت-  

–  المعلمة : “أووه أنا في غاية الدهشة، هل هكذا فهمتي الأمر ؟” لم تكُن تريد أن تسمع جوابًا وأردفت : “لستِ سيئة أبدًا لكني كنت أُريدُكِ أن تُسمعينني توضيحًا مشابهًا لصديقاتك”.

ولم تزد المعلمة على ما قالته، وأعادت قطب لمقعدها وأكملت الاستماع لبقية التلميذات وخلال ذلك انشغلت قطب- كما لو كان الموقف الذي وقعت فيه متوقعًا- بكتابة شيء ما على ورقة ملاحظات، وحين دق الجرس، لملمت المعلمة أوراقها وقبل أن تهم بالمغادرة استوقفتها قُطب وأعطتها ورقة مثنية بعنوة أكثر من مرة  قائلةً لها: “أرجوك خذي هذه”.

أخذتها المعلمة على عجل وغادرت، وحين وصلت للمكتبها فتحت الورقة وقرأت :

” أمي تقول: لا يُمكنك رؤية السماء من نافذتك فقط لتقولي: إنه المساء، فالنصف الأخر من الكون شمسهم ما زالت مُعلقة بسمائهم، إن الأمور بطبيعتها لها أوجه عديدة وكُلها صحيحة ونحن لا يمكننا رؤيتها جميعًا من منظور واحد.

لذلك هل يمكنكِ إعادة النظر مُجددًا ؟ أرجوك “

زارها شعور غريب لا تستطيع تفسيره، لم تكُن تتوقع أن يملك طالب القوة الكافية لإحراج ذاته أو لإثباتها إن صح التعبير وتفسير وجهة نظره لمعلمه، خصوصًا في هذا العُمر، أو رُبما تأثير جمال ما كُتب بالورقة هو سبب الغرابة، إنه يقع ضمن نطاق ذائقتها تمامًا، ولقد نجحت قُطب باستقطاب إعجابها أخيرًا وبشكل غير مقصود، وإنها الآن قد بدأت تخاف أن تكون ضيقة المدى في فهم الصناديق الأُخرى ورؤية نوافذهم المختلفة، إنه .. بالطبع تأثير الأغلبية، معظم الطلبة كانوا ينظرون من نافذتها وهذا أمر أراحها جدَا ولم يُشعرها بالحاجة لدراسة المناظير الأخرى، ولكن .. حتمًا لم يكُن على قطب أن تتناول الأمور بهذا الغموض، فهذا أمر مُزعج للجميع، عدم الوضوح أمر لا يعود علينا بالنفع، هكذا خففت عن نفسها حتى تلاشى الخوف.

وقررت أن يكُون مشروع الأسبوع القادم هو كتابة شرح واضح لمقولة” لكُلِ مقامِ مقال” وستركز على استحضار الوضوح المباشر لدى الطُلاب عامة وقُطب خاصةً.

انتهى –  

كتابة وتأليف: عهود بحاري

مراجعة وتدقيق: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية