ما هو تأثير دانينغ كروجر؟

ما هو تأثير دانينغ كروجر؟

17 نوفمبر , 2020

عندما لا نعرف مايجب أن نعرفه.

كتب بواسطة: جريج أوينو ومساعده

تأثير دانينغ كروجر

عندما تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي أوالأخبار، ستصادف حتمًا شخصًا يعتقد أنه خبير ولديه سلطة التحدث حول موضوع يبدو أنه لا يعرف شيئًا عنه تقريبًا.

قد يكون الأمر أكثر من كونه حالة ثقة مفرطة. المعرفة أو المهارة في مجال معين، قد تكون ضرورية لفهم مدى وحدود قدرات الفرد. هكذا يذهب المنطق وراء تأثير دانينغ-كروجر، الأشخاص غير الماهرين أو غير المطلعين إلى المبالغة في تقدير كفاءتهم. أُبلغ عن التأثير في العديد من المهام المختلفة ومجالات المعرفة المتخصصة المتعلقة بالرعاية الصحية، و إجراءات السلامة، والتعليم وحتى القضايا الاجتماعية، مثل العنصرية والتمييز بين الجنسين. يظهر هذا التأثير في عموم السكان وكذلك في مجموعات الأشخاص ذوي الاهتمامات أو المهن المشتركة.

ذكر ديفيد دانينغ،عالم النفس في جامعة ميتشيغان و أحد أوائل الأشخاص الذين وصفوا هذا التأثير، الفكرة الأساسية هي أنه في كثير من المجالات الفكرية، أو الاجتماعية، أو التقنية، نفس المهارات للقيام بأداء جيد هي نفسها لتقييم الأداء. إنها تضع الأشخاص غير الأكفاء أو الجهلة تحت عبء مزدوج، مما يجعلهم غير قادرين على إدراكها وأدائها كما ينبغي. وصف دانينغ لأول مرة التأثير الذي يحمل اسمه الآن في دراسة عام ١٩٩٩ والتي شارك في تأليفها جاستن كروجر ونشرت في مجلة الشخصية  وعلم النفس الاجتماعي. من خلال  أربعة تجارب،  اختبر دانينغ كروجر المشاركين في الفكاهة، والقواعد، والمنطق،  ثم طلبوا من المشاركين تقييم أنفسهم في تلك المجالات. لقد بالغ أقل من ربع المجموعة في تقدير أنفسهم أكثر من غيرهم، سواء في درجات الاختبار الأولية، أو بالنسبة لأقرانهم. ميزت الدراسة أيضًا بين قدرة المشترك على تقييم نفسه وتقييم أقرانه بشكل صحيح. عندما أتيحت الفرصة لتقييم المشاركين الآخرين بشكل أكثر دقة من خلال رؤية اختبارات القواعد الخاصة بهم ، فأن أصحاب الدرجات المنخفضة لم يحسنوا في الحكم على أنفسهم أو على أٌقرانهم ، في حين قلل ذوي الدرجات المرتفعة من تقييمهم الأولي لأٌقرانهم. بعد تلقي قدر ضئيل من التدريب المنطقي، أصبحت كل من مجموعتي الدرجات العالية والمنخفضة أكثر دقة في تقييماتهم لنتائجهم الأولية وترتيبهم بالنسبة للآخرين.

تأثير ميتا دانينغ-كروجر:

بعد وقت قصير من دراسة دانينغ و كروجر عام ١٩٩٩ ، اكتسبت الفكرة اسم “تأثير دانينغ-كروجر” في السنوات التالية ، ربما على سبيل السخرية، أو ربما لملائمة الاسم للمبدأ، طُبق المصطلح بالعامية وأسيئ تطبيقه مرات لا تحصى. على الرغم من أن تأثيرات دانينغ-كروجر قد لوحظت في الدراسات العلمية في مجالات أكثر مما كان دانينغ يتوقع  عام ١٩٩٩، إلا أنه يحذر أيضًا من إساءة استخدام المصطلح.  قال دانينغ: «هناك أسباب أخرى تجعل الناس يبالغون في تقدير أنفسهم، حتى إذا كانوا يفتقرون إلى المهارات أو المعرفة اللازمة لتقييم أنفسهم». «دانينغ كروجر هو واحد منهم فقط».  وقال يبدو أن هناك نوعين رئيسيين من سوء التصنيف. أولهما، لا يعني التأثير دائمًا أن أصحاب الأداء الأسوأ يمنحون أنفسهم أعلى التقييمات، على الرغم من أن ذلك قد ثبت في بعض الأحيان. قد يصنف أصحاب الأداء الأدنى أنفسهم على أنهم أدنى مستوى في المتوسط ​​ولا يزالون يعتبرون نموذج لتأُثير دانينغ-كروجر، طالما أنهم يبالغون في تقدير أنفسهم بطريقة تبدو مرتبطة بنقص معرفتهم.

ثانيهما، لم يُقصد من التأثير أبدًا وصف منحنى التعلم، حيث يثق الأشخاص المبتدئين في موضوع ما بشكل مفرط في البداية بمهاراتهم، ولكن غالبًا ما يتم تفسيرها بهذه الطريقة. حقق دانينغ في فكرة منحنى التعلم مع كارمن سانشيز، عالمة النفس بجامعة إلينوي في أوربانا شامبين. بعد إجراء ست دراسات، توصل دانينغ وسانشيز إلى أنه بمجرد اكتساب المشاركين قدرًا ضئيلًا من الخبرة في مجال جديد، نمت ثقتهم بسرعة أكبر من قدراتهم، مما يدل على “فقاعة المبتدئين” من الثقة. ومع ذلك، بمجرد وصول المشاركين إلى “الفقاعة” الخاصة بهم، بدأت ثقتهم تتضاءل وتتلاشى، على الرغم من أنها لا تزال لا تتوافق مع القدرة الفعلية.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن أن نقول على وجه اليقين المطلق أن الأفعال الفردية أو الثقة المفرطة لشخص واحد ترجع إلى تأثير دانينغ-كروجر، حتى عندما يكون هناك دليل على تأثيرات دانينغ-كروجر في مجال المعرفة المعني. قال دانينغ: «أنشئ العلم ليخبرك عن الاتجاه الأكبر».  تساءل بعض العلماء عما إذا كانت تأثيرات دانينغ-كروجر موجودة بالفعل. على سبيل المثال، وصفت دراسة جديدة نُشرت في أبريل ٢٠٢٠ في مجلة “انتيليجنس” تجربة مشابهة لدراسة دانينغ و كروجر لعام ١٩٩٩، لكن المؤلفين استخدموا نهجًا إحصائيًا جديدًا لتحليل بياناتهم. تشير نتائجهم إلى أن العديد من تأثيرات دانينغ-كروجر التي لوحظت إما إنها غير موجودة أو مبالغ فيها.

قال المؤلف المشارك للدراسة جيل جينياك من جامعة غرب أستراليا لـ ” لايف ساينس” في رسالة عبر البريد الإلكتروني: «أشارت التقديرات السابقة لتأثير دانينغ-كروجر، إلى أن التأثير لم يكن ذا دلالة إحصائية فحسب، بل كان كبيرًا جدًا من منظور عملي». «يشير بحثنا إلى أنه إذا كان تأثير دانينغ كروجر موجودًا، فمن المحتمل أن يكون له تأثير ضئيل». قال دانينغ إن هذا النوع من النقد الإحصائي مناسب، رغم أنه قد لا يوافق على الاستنتاجات.

تأثير دانينغ كروجر في الواقع:  

يمكن أن يؤثر فهم تأثيرات دانينغ-كروجر على التدريب أو التعليم في مجالات مهمة من الحياة.  على سبيل المثال، تدرس كاميلا مكماهون، عالمة النفس بجامعة ميامي في ولاية أوهايو، مجالًا جديدًا نسبيًا للمعرفة الذاتية والمعرفة الفعلية باضطراب طيف التوحد. قالت مكماهون لـ “لايف ساينس” عبر البريد الإلكتروني: «أعتقد أنه قد يكون من الصعب جدًا على الأفراد إجراء تقييم ذاتي لمعرفتهم بالتوحد».  وذكرت أيضًا : «التوحد مجال معقد للغاية ، وتختلف الحالات من شخص لآخر». يمكن أن يكون شخصًا ما قريبًا جدًا من شخص مصاب بالتوحد، ولكنه لا يفهم مدى تنوع الاضطراب عبر طيف التوحد.  في دراسة نُشرت في مارس ٢٠٢٠ في مجلة “ريسيرتش إن اوتزم  سبيكتورم ديس اوردرز – Research in Autism Spectrum Disorders” ، وجدت مكماهون وزملاؤها تأثير دانينغ-كروجر في معرفة التوحد لدى عامة السكان. تشير النتائج إلى أن المعرفة بالتوحد غالبًا ما يتم تقييمها بشكل غير دقيق، وأن المتخصصين الذين يتعاملون مع الأشخاص المصابين بالتوحد وحتى الخبراء في التوحد، قد يبالغون أو يقللون من تقدير معرفتهم بالاضطراب. ومع ذلك، تحذر مكماهون من استخلاص استنتاجات قوية من دراسة واحدة، وتخطط للتحقيق في نفس أنواع الأسئلة لدى الأشخاص الذين من المرجح أن يعملوا مع الأشخاص المصابين بالتوحد، مثل معلمي التربية الخاصة أو أطباء الأطفال.

ذكرت مكماهون إن التركيز على تحسين المعرفة والوعي الذاتي، هو على الأرجح النهج الأكثر فائدة لتحسين قدرات المهنيين الذين يعملون مع الأشخاص المصابين بالتوحد. في حين أن المعرفة والوعي الذاتي الكبيرين بالتوحد مثالية لمدرسة أو أخصائي طبي، من وجهة نظر عملية، فإن المحترف ذو الخبرة المنخفضة ولكن وعيه كبير باضطراب التوحد والذي يعرف متى يطلب استشارة الخبراء، هو الأفضل بكثير من شخص غير مطلع و غير مدرك.

تعتبر نظريات المؤامرة، والأخبار المزيفة، وغيرها من المعلومات المضللة، مجالًا آخر يمكن أن يكون للفجوة فيه بين الثقة والمعرفة الفعلية عواقب وخيمة. قد يكون هناك عنصر عبء مزدوج إذا كان شخص ما غير قادر على التعرف على جوانب نظرية المؤامرة أو غيرها من المعلومات الخاطئة غير الواقعية ، كما قال دانينغ، ولكن هناك عوامل أخرى متضمنة أيضًا. مثالاً على ذلك، الدوافع المسببة، كالتفكير المرتبط بالانتماء السياسي، يمكن أن يجعل الناس يميلون إلى تصديق أشياء تتوافق مع معتقداتهم أو مُثلهم الأخرى، بدلاً من ما هو مرجح، أو مدعوم بأدلة قوية.  كيف نتجنب ثقة دانينغ-كروجر المفرطة؟  بناءً على المفهوم، فإن الشخص الذي يتحمل العبء المزدوج لتأثير دانينغ-كروجر يفتقر إلى المعرفة أو المهارات التي من شأنها أن تساعده في التعرف على الموقف. قد يساعدك ترصد مواضع الضعف أو عدم الكفاءة لدى الأشخاص، ولكن قد يكون من الصعب الحصول على نتائج واقعية موثوقة. كما هو الحال مع التحيزات الأخرى، قد يتأثر تأثير دانينغ-كروجر بالمعايير الثقافية المتعلقة بالشخصية أو ردود الفعل المهذبة.  على سبيل المثال، تُظهر ” كروس-كلتشرال سايكولوجي ستاديز” مع مشاركين من شرق آسيا وأمريكا الشمالية، أن أنماط الثقة المفرطة وقلة الثقة تعتمد على السياق، وتختلف باختلاف الثقافات. لحسن الحظ، لدى دانينغ نصيحة بسيطة ثقافية عالمية لتجنب تأثير دانينغ-كروجر: «أحاول أن أكون أكثر تواضعًا من الناحية الفكرية».وأضاف: «السؤال الجيد الذي يجب طرحه هو: ما المفقود؟ ما الذي لا أعرفه؟ لقد وجدت أن هذه طريقة ممتازة للتفكير في القضايا الحقيقية والجوهرية».

المصدر: https://www.livescience.com

ترجمة: أسرار العتيبي

تويتر: @K1ASB

مراجعة: زينب محمد


اترك تعليقاً

القائمة البريدية

اشترك في قائمتنا البريدية ليصلك جديد مقالاتنا العلمية وكل ماهو حصري على مجموعة نون العلمية