كيف يطور الدماغ الشعور بالذات

يتناول المقال كيف يتطور الدماغ بالتدريب والإحساس بالغير، والتأثر بأفكارهم مع وجود شعور بالذات في نفس الوقت. ويستخلص من خلال الدراسات، أن الحدود بين ذاتك ومحاكاة أفكار الآخرين في الدماغ ليست ثابتة، ولكنها مرنة. ولذلك، يمكن تسخير ذلك في تنمية القدرة على معالجة التعصب وتخفيف اضطرابات الصحة العقلية.

كيف يطور الدماغ الشعور بالذات؟

بقلم: سام إيريرا (Sam Ereira)- باحث ما بعد الدكتوراه في علم الأعصاب الحسابي والمعرفي، جامعة كاليفورنيا

نحن حساسون للغاية تجاه الأشخاص من حولنا. عندما كنا أطفالًا، لاحظنا الأشخاص من حولنا وتعلمنا منهم كيفية المشي والتحدث والقراءة – واستخدام الهواتف الذكية. يبدو أنه لا يوجد حد لتعقيد السلوك الذي يمكننا اكتسابه من التعلم القائم على الملاحظة.

لكن التأثير الاجتماعي أعمق من ذلك. نحن لا نقلد سلوك الناس من حولنا فقط، نحن أيضًا نقلد عقولهم، ومع تقدمنا في السن، نفهم ما يعتقد الآخرون ويشعرون به ويريدونه ونتكيف معه، أدمغتنا تعمل بشكل جيد حقاً فهي تترجم الرسائل والأفكار داخل أدمغة الآخرين. ولكن كيف يميز الدماغ بين الأفكار خاصتك وأفكار الآخرين؟

 دراستنا الجديدة المنشورة في Nature Communications، تقربنا من الإجابة.

قدرتنا على محاكاة عقول الآخرين مهمة للغاية. عندما تفشل هذه العملية، قد تساهم في العديد من مشاكل الصحة العقلية. لربما يجعلك غير متعاطف مع الآخرين، أو على النقيض الآخر قد تكون عرضة لأفكار الآخرين لدرجة احساسك بذاتك هش ومُتقلب.

تعد القدرة على تقمص عقلية شخص آخر واحدة من أكثر التكيفات تعقيدًا في الدماغ البشري.

غالبًا ما يقيم علماء النفس التجريبيون هذه القدرة بتقنية تسمى «مهمة الاعتقاد الخاطئ».

في هذه المهمة، يطلب من فرد واحد أي اللاعب بأن ُيراقب شريكه أي اللاعب الآخر وهو يخفي عنصر ما داخل العلبة ويطلب من الشريك المغادرة، ويرى بعد ذلك اللاعب بأن الباحث قام بإزالة العنصر من العلبة وإخفائه في موقع ثان، عندما يعود الشريك سوف يعتقد بشكل كاذب أن العنصر لا يزال في العلبة ولكن اللاعب الأول فقط من يعرف الحقيقة.

وهذا يتطلب أن يضع اللاعب في اعتباره اعتقاد الشريك الخاطئ بالإضافة إلى معتقداته الحقيقية عن الواقع أمامه. ولكن كيف يمكننا أن نعرف ما إذا كانت هذه الاعتقادات والأفكار في عقل الشريك موجودة أيضا لدى اللاعب الأول؟

معتقدات خاطئة:

 على مدى السنوات العشر الماضية، اكتشف علماء الأعصاب نظرية لقراءة العقل تسمى نظرية المحاكاة. تقترح النظرية أنه عندما أضع نفسي في مكانك يحاول عقلي نسخ الإشارات داخل عقلك.

وجد علماء الأعصاب أدلة دامغة على أن الدماغ يحاكي إشارات الشريك الاجتماعي. لقد ظهر أنه إذا لاحظت أن شخصًا يتلقى مكافأة، مثل الطعام أو المال، فإن نشاط عقلك يُترجم نشاط عقله فيصبح نفسه كما لو كنت الشخص الذي يتلقى المكافأة.

 هناك مشكلة بالرغم من ذلك. إذا نسخ عقلي إشاراتك وأفكارك فكيف يميز بين عقلي ومحاكاة عقلك؟

 في تجربتنا، قمنا بتجنيد 40 مشاركًا وطلبنا منهم تجربة نسخة أخرى للعبة الاحتمالات لمهمة الاعتقاد الخاطئ. في الوقت نفسه قمنا بفحص أدمغتهم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، والذي يقيس نشاط الدماغ بشكل غير مباشر عن طريق تتبع التغيرات في تدفق الدم.

في هذه اللعبة، بدلاً من الاعتقاد بأن العنصر موجود بالتأكيد في العلبة أم لا، يعتقد كلا اللاعبين أن هناك احتمالًا لوجود العنصر هنا أو هناك، دون معرفة ذلك على وجه اليقين (أي جعله صندوق شرودنغر). ويتم تحريك العنصر دائمًا وبالتالي تتغير معتقدات اللاعبين دائمًا. الهدف من التحدي ليس فقط بمحاولة تتبع العنصر ومكان وجوده ولكن أيضًا معرفة معتقدات الشريك عنه.

سمح لنا هذا التصميم باستخدام نموذج رياضي لوصف ما يدور في ذهن الشخص أثناء لعب اللعبة. أظهر كيف غيّر المشاركون معتقداتهم في كل مرة حصلوا فيها على بعض المعلومات حول مكان وجود الشيء. كما وصفت كيف قاموا بتغيير محاكاة اعتقاد الشريك في كل مرة يرى بعض المعلومات.

يعمل النموذج عن طريق حساب “التنبؤات” و “أخطاء التنبؤ”. على سبيل المثال، إذا توقع أحد المشاركين أن هناك فرصة بنسبة 90٪ لوجود العنصر في الصندوق، لكنه لاحظ بعد ذلك أنه ليس بالقرب من الصندوق فسوف يفاجأ. لذلك يمكننا القول أن الشخص واجه “خطأ تنبؤ” كبير. ثم بعد ذلك يُستخدم هذا لتحسين التنبؤ في المرة القادمة.

يعتقد العديد من الباحثين أن خطأ التنبؤ هو وحدة أساسية لحساب التوقعات في الدماغ. يرتبط كل خطأ تنبؤ بنمط معين من النشاط في الدماغ. هذا يعني أنه يمكننا مقارنة أنماط نشاط الدماغ عندما يتعرض الشخص لأخطاء تنبؤيه مع أنماط النشاط البديلة التي تحدث عندما يفكر اللاعب في أخطاء شريكه التنبئية.

أظهرت النتائج التي توصلنا إليها أن الدماغ يستخدم أنماطًا مميزة من النشاط لأخطاء التنبؤ و”محاكاة أخطاء التنبؤ”. هذا يعني أن نشاط الدماغ يحتوي على معلومات ليس فقط حول ما يحدث في العالم، ولكن أيضًا حول من يفكر في العالم. يؤدي هذا المزيج إلى شعور تلقائي بالذات.

تدريب الدماغ:

 ومع ذلك، وجدنا أيضًا أنه يمكننا تدريب الناس على جعل أنماط نشاط الدماغ تلك للذات ولغيرها إما أكثر تميزًا أو تشابكا. لقد فعلنا ذلك من خلال التلاعب بالمهمة بحيث يرى اللاعب والشريك نفس المعلومات إما نادرًا أو بشكل متكرر. إذا أصبحت الأنماط أكثر تميزًا، فإن الأشخاص يصبحون أفضل في التمييز بين أفكارهم وأفكار الشريك. وإذا أصبحت أكثر تشابكا، فإن وضعهم يزداد سوءًا في تمييز أفكارهم عن أفكار الشريك.

هذا يعني أن الحدود بين ذاتك ومحاكاتك لأفكار الآخرين في الدماغ ليست ثابتة ولكنها مرنة. يمكن للدماغ أن يتعلم تغيير هذه الحدود. قد يفسر هذا التجربة المألوفة لشخصين يقضيان الكثير من الوقت معًا ويبدآن في الشعور وكأنهما شخص واحد يتشاركان نفس الأفكار. على المستوى المجتمعي، قد يفسر لماذا نجد أنه من الأسهل التعاطف مع أولئك الذين شاركوا تجارب مماثلة معنا مقارنةً بأشخاص من خلفيات مختلفة.

 يمكن أن تكون النتائج مفيدة. إذا كانت حدود الذات الأخرى مرنة حقًا، فربما يمكننا تسخير هذه القدرة لمعالجة التعصب الأعمى والتخفيف من اضطرابات الصحة العقلية.

المصدر: https://www.livescience.com

ترجمة: رشا الحربي

تويتر: @eunlina7

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *