حريق مسرح غلوب عام 1613: عندما احترق مسرح شكسبير

قبل أربعمائة وسبع سنوات من الآن، اختتمت واحدة من المسرحيات التاريخية المسرح بالدخان. حيث خلف الدمار نهاية للمسرح بالنسبة للكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير بينما كان التباهي هو السبب الرئيسي لهذا الحريق الشهير.

مسرح غلوب/شكسبير

في التاسع والعشرين من شهر يونيو من العام الميلادي 1613 وتحديدا بمسرح غلوب الرئيسي بمدينة لندن حيث كانت تعرض فيه أكثر مسرحيات شكسبير، نشب حريق في ذلك المسرح اثناء عرض مسرحية “كل شيء صحيح” المعروفة لدى الجماهير الحديثة باسم هنري الثامن. ولكن ما سبب ذلك الحريق؟ ومتى أعيد بناء مسرح غلوب؟

وهنا يظهر دور المؤلف اندرو ديكسون في تسليط الضوء على الحقائق المتعلقة بحريق مسرح غلوب سنة 1613.

ففي مطلع شهر مايو من العام 1613ميلادي وصلت اعمال الاديب العالمي وليام شكسبير ذروتها بعد بلوغه سن التاسعة والأربعون. حيث كان أشهر كُتًاب جيله وقدوة للناشئين الذين عكفوا على تقليده في الكتابة ومثارا للإعجاب حتى من قِبَل الكُتًاب الغيورين المعاصرين. فلم يكن مجرد خادما بالقصور الملكية بل قام رجال الملك (شركة شكسبير للتمثيل) بتمثيل ما لا يقل عن ستة اعمال من تأليفه في البلاط الملكي. بعضها كانت خلال الاحتفالات الخاصة بزفاف اليزابيث ابنة جيمس الأول.

وكان من بينها دراما الانتصار الأخير «حكاية الشتاء» (والتي تم عرضها لأول مره على مسرح غلوب في شهر مايو عام 1611م) و«العاصفة» (التي تم عرضها لأول مرة في شهر نوفمبر من العام نفسه 1611م). كانت حالة شكسبير المادية جيدة ففي شهر مارس من ذلك العام قام بشراء شقة في مجمع بلاك فرايرز بالقرب من المسرح الداخلي للشركة وكان ذلك هو الاستثمار الأول له في مدينة لندن بالإضافة الى محفظة اعتماد أساسية في موطنه ستراتفورد- ابون- افون.

وقد كان مجدًا في العمل خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بمسرحية جديدة: فقد عمل بمعية أحد المؤلفين الشباب والذي يدعى جون فليتشر على انهاء عمل مسرحي باسم (كل شيء صحيح) وهو عمل تاريخي يتحدث عن طلاق هنري الثامن من كاثرين اراغون (وتم تسمية العمل باسم البطل هنري الثامن كما هو معروف لدى الجماهير الحديثة) وقد كان العمل مليئا بالأحداث الرائعة والمؤثرة وقد نهج نهجا جديدا في كتابة المسرحيات ولربما كان هذا العمل هو البداية.

هل كانت كاثرين اراغون أعظم ملكه في نظر هنري الثامن؟

في ذلك الصيف تم عرض مسرحية (كل شيء صحيح) على المسرح بعد طول انتظار. ففي اليوم التاسع والعشرون من شهر يونيو من العام 1613م وبعد منتصف المساء كان مسرح غلوب الواقع على الضفة مكتظا بالحضور. وبدا العرض الثالث او الرابع لتلك المسرحية يسير في تناغم وانسجام سلس. وفي تلك الاثناء، تم إطلاق النار من مدافع كانت مثبته على المسرح عندما شارف المشهد الأول على الانتهاء بدخول الملك هنري منزل الكاردينال ولسي- خلال عرض الترفيه الدرامي والمشهور بين النبلاء في القرن السادس عشر والسابع عشر والذي يتألف من رقصات وعروض يتم فيها استخدام الأقنعة- حيث لم يستطع أحد من الجموع المحشودة من ملاحظة تلك الشرارة التي انطلقت من احدى المدافع باتجاه سقف المسرح المظلل. حتى وبعد انبعاث الادخنة لم يكن أحد من الحضور منتبها لما يحدث في تلك الاثناء وهذا ما جاء على لسان أحد شهود العيان يقول ” كان العرض ويأسر العيون ويجذب انتباه الحضور أكثر من أي شيء اخر”.

وبعد دقائق بدأ الحريق يلتهم الأجزاء الداخلية من السقف بسرعة كسرعة ” القطار” وأصبح مسرح غلوب محاطا بالحريق. فقد طال الشرار جميع الهياكل الخشبية المكونة للمسرح فاستدعى الامر الى اخلاء المكان فكان الاخلاء مخيفا وسريعا حتى ان مجموعة من الحضور تخلوا عن عباءاتهم التي كانوا يرتدونها محاولين النجاة بأنفسهم. وكان من بين الحضور شخص قد طال الحريق ملابسه فلم يجد امامه الا قارورة من الجعة فتناولها بيده ثم سكبها على ملابسه، كما احترق شخص آخر عند محاولته لإنقاذ طفل وسط ذلك الحريق. ولم تسجل التقارير أي وفيات ولكن مسرح شكسبير الأكثر شهرة في لندن كانت تلك هي النهاية بالنسبة له. كان الجو في ذلك اليوم شديد الحرارة والجفاف وفي أقل من ساعة، لم يتبقى في تلك البقعة سوى الادخنة فقد كان الحريق شديدا للغاية حتى أنه طال منزلًا مجاورًا للمسرح متسببًا في إحراقه أيضًا.

هل توجد شكوك حول كتابة شكسبير لمسرحياته من عدمها؟

وماذا يعني لك حضور ومشاهدة أحد مسرحيات شكسبير وكيف تبدو؟

وهذا ما سنعرفه من خلال الشائعات والسمعة السيئة التي انتشرت بسبب حريق المسرح التاريخي والتي تصدرت عناوين الاخبار والصحف في ذلك الوقت: لاحظ كثير من شهود العيان ذلك الحدث والذي كان حديث الساعة في عهد جاكوبين او اليعقوبية بمدينة لندن – اليعقوبية او اليعاقبة هو مصطلح يطلق على الفنون البصرية والزخرفية والعمارة والادب الذي تميزت به تلك الفترة-. وكثير من هذه المعلومات وصلت الينا عن طريق تقرير تم اعداد بواسطة الدبلوماسي والسياسي هنري ووتن والذي تمت كتابته بعد أيام قليلة من وقوع الحادث والذي قام بتصوير الفاجعة في تفاصيل مبهرة ابتداءً ” من الورق والاشياء الأخرى” التي اشعلت النار مرورا ببطل العمل المسرحي سيء الحظ ” الذي علق الحريق ببنطاله متسببا في حرقه لو لم يكن متفطنا لزجاجة من مشروب الأيل ” الخالي من عشبة الدينار او الهوبس المسكرة” لإخماد تلك النار”.

قد تكون لهجة هذا التقرير مبتذلة والسبب يرجع الى ان ووتن كان منزعجا من تصوير شخصيات تاريخية محترمة مثل هنري الثامن وكاردينال ولسي مما جعله يشعر بأن شكسبير ومسرحه نالوا ما يستحقون من ثواب أو عقاب. وحتى أصوات المتشددين الكارهين للمسرح لم تعلوا في تلك الاثناء لتكشف الانتقام الإلهي « في أحداث الحريق المروع». ولم يمر وقت على حادثة الحريق حتى بدأت القصة تنتشر في الشارع كأغنية تدور أحداثها حول تلك الواقعة (لمؤلف غير معروف). مؤكدة على سرد عنوان واحداث المسرحية التي تسببت في المأساة والحرص على عدم التلاعب في كلماتها على النحو التالي:

بدأ الحريق المخيف من الأعلى

غريب عجيب وحقيقي

تسبب في إزالة المسرح

مستديرًا كاستدارة كرة الخيوط

محرقًا العوارض والسلالم

ولم يسلَم العلم الحريري

يا للحزن ويا للأسف ولكن كل شيء كان صحيح.

 في الحقيقة لم يكن حريق غلوب سوى أمرًا مضحكًا بالنسبة لشكسبير وشركاؤه من رجالات الملك. ولم يكن الامر بالنسبة لهم الا مجرد الحاجة لإعادة بناء المسرح قبيل عهد تأمين المباني وتقدير تكلفة ذلك العمل وانجازه بأسرع وقت ممكن، لان مرور الأيام في غياب المسرح يتسبب في تراجع المدخرات بشكل أكبر. ويمكن للشركة ان تواصل عروضها على مسرح بلاك فرايراز ولكن المسرح لا يستوعب سوى المئات من المقاعد مقارنة بمسرح غلوب المفتوح الذي يستوعب ما يقارب الـ 3000 مقعد.

خمس حقائق حول مسرح شكسبير «غلوب».

ستة أكاذيب حول مسارح لندن التاريخية.

تدور الأحاديث حول تدهور حالة شكسبير الصحية بعد تعرضه لصدمة نتيجة للحريق المدمر. وكأحد المؤلفين لمسرحية (كل شيء صحيح) فمن الممكن انه حمًل نفسه المسؤولية بشكل او بآخر ويرجع ذلك الى ان الحريق نتج من قطعة وضعوها لمجرد التباهي (ففي العادة يتم إطلاق النيران بواسطة المدافع في المعارك ولا يتم ذلك عند دخول الملك). عندما اجتمع رجال الملك وجمعوا ما يعادل 1400 جنيه إسترليني لإعادة بناء غلوب جديد والذي استغرق بناءه قرابة السنة يتخللها وضع بلاط عازل مضاد للحريق على السقف ولم يكن شكسبير ضمن هذه المجموعة لأنه قام ببيع نصيبه في هذه الفترة.

آخر مؤلفات شكسبير كانت « النبيلان القريبان» وهو عمل آخر تعاون فيه مع فليتشر وتمت كتابته في وقت متأخر من تلك السنة وكانت مقدمة ذلك العمل بعنوان ” خسارتنا” وبدا فيها الشعور بالحزن المتعلق بحادثة الحريق الشهيرة. وفي نهاية ذلك العام كان شكسبير يقيم طيلة الوقت في مدينة ستراتفورد منخرطا في دعاوى مريرة مدافعا عن حقوقه في ارضه واضعا حدا لنهاية مهنته في الكتابة. توفي بعدها بسنتين في شهر ابريل عام 1616م.

من كتب المذيع والمؤلف اندرو ديسكون دليل غلوب لشكسبير (2016) والعالم الآخر: رحلة حول مسرح شكسبير «غلوب» (2015)

نُشر المقال في صحيفة التاريخ الإضافي 2018

المصدر: https://www.historyextra.com

ترجمة: أحمد بن خالد بن عبد الرحمن الوحيمد

تويتر: AhmadBinKhaled

مراجعة: نوره احمد صهلولي

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *