“الوالدية” تساعد الآباء و الأطفال على صنع حوار و تعزز من التنمية اللغوية

يتحدث الوالدان في جميع لغات العالم تقريبًا مع أطفالهم “اللغة الوالدية” (Parentese ) وهي طريقة يتحدث بها الوالدان لجذب انتباه الطفل. يعتمد فيها الوالدان على استخدام قواعد اللغة البسيطة والكلمات الواضحة، بالإضافة إلى الأصوات المبالغ بها، ويتحدث الوالدان هذه اللغة بطريقة تلقائية دون تأهيل أو معرفة سابقة.

ماذا لو كان الوالدين يعرفون أن الطريقة التي يتحدثون بها لأطفالهم يمكن أن تساعدهم على التعلم، فهل يغيرون طريقة حديثهم؟

 تشير دراسة جديدة من معهد التعلم وعلوم الدماغ( I-Labs)  في جامعة واشنطن ، إلى أن هذه المعرفة ستسهم في تحسين طريقة حديثهم للتعامل مع الأطفال بصورة جيدة.

تهدف الدراسة إلى معرفة أثر تدريب الوالدين على تحسين مهارات لغة الوالدين مع أطفالهم، وأثبتت أن تأهيل الوالدين على الطريقة الصحيحة للتحدث مع أطفالهم تعزز مهارات اللغة لاحقاً لدى الأطفال.

 كما وجدت الدراسة التي نُشرت على موقع أخبار الأكاديمية الوطنية للعلوم في الثالث من شهر فبراير لهذا العام، أن الوالدين الذين شاركوا في جلسات التدريب الفردية تحدثوا اللغة الوالدية كما تدربوا عليها بصفة أكثر من الوالدين في المجموعة الضابطة الذين لم يتم تدريبهم، وأن تدريبهم أسهم في تحسين مهارات الحوار و” التواصل المتبادل” بين الوالدين وأطفالهم مما حسّن مهارات الطفل اللغوية بعد عدة أشهرمن التدريب.

 كما صرحت د.باتريشيا كول، المديرة المشاركة في معهد( I-LABS  ) وأستاذ علوم الكلام والسمع في الجامعة الأمريكية: “توقعنا في هذه الدراسة أن تحسين اللغة الوالدية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمخرجات لغوية أفضل للطفل”.  “لكننا لم نكن نعرف لماذا. نعتقد أن اللغة الوالدية تيسّر تعلم اللغة بسبب بساطة هيكلها اللغوي والمبالغة في الأصوات التي يصدرها الوالدين. لكن هذه الدراسة تشيرإلى سبب أكثر جوهرية”.

 “نعتقد الآن أن اللغة الوالدية تعمل كصنارة صيد موجهة من محيط الطفل أو البيئة الاجتماعية حوله مباشرة نحو دماغ الطفل – فارتفاع نبرة الصوت وإيقاعها البطيء من شأنها أن تحفز الطفل على المشاركة والانخراط في حديث مع والديه .”

 لذا لم تعد اللغة الوالدية (parentese) تُطلق على ما كان متعارف عليه في السابق بمعنى “حديث الطفل” وكان يقصد بها مزيج من الأصوات والكلمات العشوائية .  بل أصبحت اللغة الوالدية تعني القواعد النحوية المتكاملة التي تتضمن كلمات حقيقية، وأحرفًا مطولة ونغمات صوتية مبالغ فيها. عندما يتحدث الوالدان مباشرة إلى الطفل، فإن ذلك يسعده ويحفزه على المشاركة، كما يسهم في انخراطه اجتماعياً مع والديه والاستجابة لهم بشكل إيجابي، حتى لو كان ذلك من خلال الثرثرة فقط.

 في دراسة أجريت عام ٢٠١٨،  قام باحثون من مختبر (I-LABS ) بتتبع اللغة الوالدية التي يتحدث بها الوالدان مع أطفالهم البالغين من العمر ٦ أشهر، فوجدوا أن الأطفال الذين شارك والديهم في جلسات تدريب الوالدين يثرثرون وينتجون كلمات في سن ١٤ شهرًا أكثر من الرضع الذين لم يتلقى والديهم التدريب.

 تركز الدراسة الحديثة على النتائج بعيدة المدى لتدريب الوالدين وكيف أدت إلى تغييرات ملحوظة ابتداءً من مهاراتهم اللغوية وحوارهم المتبادل مع الطفل ، وانتهاءً بكلام الطفل عند بلوغه ١٨ شهرًا.

 كما علق الباحث الرئيس في هذا المشروع د. نجا فرجان راميريز، أستاذ مساعد في اللغويات بجامعة واشنطن  : “لم تكن لدينا أي توقعات حول ما إذا كان الوالدين سيستجيبون بشكل إيجابي للغاية للمعارف حول تأثير طريقة كلامهم الموجه للطفل على تطور لغة الطفل. كما يزود هذا التدريب الوالدين بأدوات قياس تعمل كدليل لإرشادهم، وقد نجحت في ذلك”..

 ولتقييم مستوى تقدم لغة الطفل، زُودت جميع العائلات في الدراسة بجهاز تسجيل خفيف الوزن ، كان يرتديه الطفل في سترة مصممة خصيصًا لهذا الغرض في ٤ إجازات من نهاية كل أسبوع على فترات متقطعة  لعمر ٦،١٠،١٤،١٨  شهرًا.  سجل الجهاز كلام الوالدين والرضيع على مدى يومين متتاليين، بحيث يمكن للباحثين قياس لغة الوالدين الجديدة ومدى تحسن التواصل المتبادل بين الوالدين والطفل، بالإضافة إلى ملاحظة الإنتاج اللغوي في لغة الرضع  سواء كان ثرثرة أو كلمات فعلية. ونُفذت جلسات التدريب هذه لوالدين الأطفال بعمر ٦و١٠و١٤ شهرا.

 تم دراسة ٤٨ عائلة عشوائياً والبدء في تلقي التدريب، كما قدمت الجلسات إرشادات وملاحظات حول استراتيجيات اتصال محددة ، مثل كيفية التواصل بلغة الوالدين بشكل أكثر فاعلية، والتحدث مباشرة إلى الطفل وإشراك الطفل في الحوار بين الوالدين والطفل المعروف باسم” التواصل المتبادل”.وفي مراجعة التسجيلات مع أولياء الأمور، استمع الباحثون إلى تسجيلات سلوكيات الوالدين اللغوية وقياسها مقابل الأهداف القائم عليها البحث لتنمية لغة الطفل. ثم تشجيع الوالدين على تضمين اللغة كجزء من الروتين اليومي وتزويدهم بنصائح لنشاطات لغوية على شكل بطاقات مع نصائح إضافية لأنشطة “بناء الدماغ”  بدعم من (Vroom )  وهو برنامج تابع لمؤسسة عائلة بيزوس.

 لاحظ الباحثون إن جميع الآباء والأمهات المشاركين في الدراسة حسنوا بالفعل من اللغة الوالدية المستخدمة في حديثهم مع الطفل في بداية المشروع. كما تعلم المشاركين في مجموعة التدريب الكثيرعن الفوائد المعرفية والاجتماعية لاستخدام لغة الوالدين بشكل فعال، ومتى وكيف يتم استخدامها لتعزيز التفاعل مع أطفالهم، والتأثيرات الإيجابية التي يمكن أن تسهم بها المهارات اللغوية للوالدين على تطور لغة طفلهم.

 وأظهرت النتائج أن تدريب الوالدين أسهم في تحسين إصدار الأصوات التي يتحدث بها الرضع و التي استمرت في التطور حتى بعد نهاية جلسات التدريب.

 لاحظوا أيضاً أن عائلات الأطفال في عمر ١٤و١٨ شهرًا ، أظهرت قفزة كبيرة في تطور مهارات الحوار المتبادل وإصدارالأصوات المختلفة. كما لاحظوا القدرة على إنتاج الكلمات الحقيقية لدى أطفال العائلات المُدرَّبة – مثل “الموز” أو “الحليب” – بمعدل ضعف الأطفال الذين كان والديهم في المجموعة غير المدربة. وقدّرت استطلاعات الوالدين مفردات الأطفال البالغين من العمر١٨ شهرًا ب١٠٠ كلمة بين أطفال العائلات المدربة ، مقارنة بـ ٦٠ كلمة بين الأطفال في المجموعة غير المدربة.

 قال د.فيرجان راميريز: “نعلم أن المهارات اللغوية في مرحلة الطفولة تتنبأ بالمراحل اللاحقة في تطور اللغة، وبالتالي فإن التحسينات في السلوكيات اللغوية في مرحلة الطفولة يمكن أن يكون لها تأثيرات متتالية على تطور الكلام بمرور الوقت”.

 وأضافت د. كوهل : “تطورت اللغة لتسهيل مهارات التواصل الاجتماعي الضرورية لبقاء النوع البشري. في هذه الدراسة ، نلاحظ بشكل مباشر كيف يمكن للغة الوالدين والمشاركة الاجتماعية أن تعزز من استجابة الطفل الأولية، والتي تتطور لتصبح كلمات، ثم جمل (تعليم الأطفال فن الاتصال البشري) “.

 مولت الدراسة من قبل مؤسسة(  Overdeck family  ) ومشروع العقل المستعد التابع لمختبر( I-Labs )بجامعة واشنطن

بإشراف من د.سارة روزبيري ليتل، باحثة مشاركة ومديرة التوعية والتعليم في مختبر ( I-labs ).

المصدر: https://www.sciencedaily.com

ترجمة: ريم السعيدي

تويتر: @_bayanAr_

مراجعة: زينب محمد

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *