البيولوجيا العصبية للخوف.

ماذا لو كانت أكبر مخاوفنا هو الخوف بحد ذاته؟ هذا المقال سيعطيك مزيد من التوضيح عزيزي القارئ.

في الكتاب الثالث من سلسلة هاري بوتر, يقول له ريموس لوبين, أستاذ هاري, ” ما تخشاه أكثر من أي شيء هو الخوف. حكيم للغاية, هاري. ” إذا كان يعتقد هو و فرانكلين روزفلت , الذي قال شيئاً مشابهاً له من قبل , فأنا شخص حكيم مرتقٍ للغاية . لأنني لا أخشى أكثر من مجرد نقل مخاوفي إلي ابنتي , التي يبدو إنها في عمر ما يقرب من عامين لا تشعر بأي مخاوف على الإطلاق .

هل من الممكن حقاً أن يتم التعرف على  معظم مخاوفنا ؟ هناك حاجة إلى قدر من الخوف لبقائنا, ولكن يبدو أن أغلب هذه المخاوف الأساسية لا تنحصر إلا في وقت لاحق من الحياة، وبمراقبة سلوكيات  الخوف لدى البالغين. لقد وجد العلماء أن اثنين من الخوف يولدان في البشر الخوف من السقوط وخوف الضجيج العالي. سوف يتردد الأطفال الرضع حتى عمر 6 اشهر ولا يزحفون على سطح يبدو وكأنه حافة منحدر. هذا التطور المبكر لتصور العمق و تجنب ” جرف” في البشر و الحيوانات الأخرى يمكن أن يكون مؤشراً على إن الخوف من المرتفعات هو فطري. كما هو الخوف من الضوضاء العالية. ” الانعكاس الصوتي المفاجئ ” هو سلوك تكيفي استجابةً للضوضاء الصاخبة التي تساعد على حماية الحيوانات من التهديدات أو الهجمات المحتملة من خلال التسبب في تصلب الأطراف وجدار الجسم لفترة قصيرة من الزمن , قبل أن يتمكن الحيوان من المضي قُدماً وإما القتال أو الفرار.

ابنتي, دعنا نسميها سام , يزعجها الضجيج المفاجئ لصافرة طنجرة الضغط منذ ولادتها. كانت تندهش وتبكي حتى تعلمنا الطهي بهدوء عندما تكون في مكان قريب أو نتأكد من إنها بعيدة بما فيه الكفاية. لا تزال تكره صوت الخلاط, لكنها الآن كبيرة  بما يكفي لتعرف إنه لا يُشكّل تهديداً.

ومع ذلك , فإن رد الفعل يبقى على ما هو عليه, فهي لا تزال تبكي قليلاً عنما تسمع الصوت ولكنها قادرة على إقناع نفسها بعدم القلق كثيراً بشأنه. تحاول أن تبتسم من خلال دموعها عندما نخبرها إنه مجرد  خلاط, وإذا لم يكن هذا هو الطف شيء في العالم, فلا أعرف ما هو. ولكن وراء كل هذا اللطف و الخوف, هناك العديد  من الأفكار المستمرة في دماغها الصغير.

يقع في عمق الدماغ البشري هيكل صغير على شكل لوز يسمى اللوزة. يبدو أن اللوزة التي سميت بإسم الكلمة اليونانية للجوز التي تشبهه تلعب دوراً مهماً في تنسيق استجابة الخوف .

وتشير الدراسات العصبية إلى أن التقييم اللاواعي للتحفيز (ولنقل المحفز للخوف) يبدأ قبل معالجة التحفيز عن وعي.لهذا السبب , على سبيل المثال , يبدأ قلبنا في العمل بشكل أسرع عندما نسمع طرقاً على النافذة في منتصف الليل , وعندما ندرك  لاحقاً أن سبب الطرق كان غصن شجرة , يتبدد الخوف . هذا هو أيضاً ما يحدث في دماغ سام عندما ” تخبر نفسها” بأن الخلاط لا يجب أن يُخاف منه . يبدو أن اللوزة هي جزء من الدماغ الذي يتداخل بين المناطق المعينة بالتعبير الجسدي عن المشاعر ومناطق المخ التي تهتم بالشعور الواعي .

كما هو الحال مع كل المشاعر , فإن الخوف له أساس تطوري. يبدو أن هناك بعض ” المخاوف الطبيعية ” , مثل الخوف من العناكب و الثعابين , التي على الرغم من إن البالغين تعلموها من خلال الإشارات أو التلميحات, إلا إنه  على ما يبدو أنهم مهيئين لذلك . كان أسلافنا بحاجة إلى الخوف من التقاط الثعابين أو إيلافها, ومع مرور الوقت , تطورت ميزات نظامنا البصري و ساعدتنا على اكتشاف الثعابين. لقد ثبت أن النظام البصري للرئيسيات يستجيب بشكل انتقائي لأنماط الفسيفساء التي عادةً ما تكون نادرة في الطبيعة، ولكنها شائعة في الثعابين. المخاوف الأخرى التي يبدو إنها ناتجة عن الانتقاء الطبيعي هي الخوف من الأشياء المدببة و الفهد المُرقّط.

المخاوف الطبيعية لا بأس بها ، لكن ماذا عن  المخاوف ” غير الطبيعية” و غير الضرورية ؟ لا اعرف كيف اسبح , وبالتالي أخاف قليلاً من الماء. لذلك عندما أخذنا سام في درس السباحة الأول , كنت قلقاً بعض الشئ من  ظهور خوفي هذا .  بالطبع , لم يكن لدي أي سبب للخوف من أي شيء ، لإن البركة كانت بعمق خمسة أقدام فقط ! أردت فقط أن أبدو مطمئناً تماماً في الماء حتى ترى سام ذلك وتطمئن هى أيضاً. اكتشفت لاحقاً أنني لستُ بحاجة إلى  كل ذلك القلق. فهى تكيفت على  الماء كأنها سمكة. كل ما كان علي فعله هو ألا أُدمر حبها الفطري للماء من خلال إظهار سلوكيات  من شأنها أن تخبرها أن الماء مخيف  .  

وبطبيعة الحال فإن الجانب الآخر في كل هذا يتلخص في أن قدراً من الخوف (الذي قد لا يكون لدى الأطفال بسبب افتقارهم إلى المعرفة) يشكل ضرورة أساسية للبقاء على قيد الحياة. سام  لا تعرف أن المياء يمكن أن يكون خطيراً  وأن الناس قد يغرقون. إنها ليست في سن مناسب لتفسير ذلك لها. لقد اعتقدت أن درس السباحة للرضّع تم تنظيمه بشكل ممتاز بطريقة تجعل الأطفال يستمتعون بالتواجد في الماء مع تقديم بعض تقنيات الأمان أيضاً . لقد حرص مدرب السباحة على التأكد من إن الكمية اللازمة من الخوف غرست عند الأطفال, بجعلهم يجلسون بأمان على الحافة وينتظرون من آبائهم إخبارهم بأنها آمنة قبل دخول الماء عن طريق التدحرج على البطن والانزلاق بعناية, دعونا لا نكون متحمسين للغاية بمشهد الماء الذي نقفز فيه مباشرةً, يا أطفال!

 يُعد افتقار  المعرفة  أمراً خطيراً لسبب معاكس تماماً عند البالغين. معظم مخاوفنا ليست ضرورية, وقد تكون معوقة في بعض الأحيان, ولا أساس لها من الصحة عادةً. في المسرحية الهزلية البريطانية داونتون آبي(Downton Abbey ), التي عُرضت في أوائل القرن العشرين ,  كانت إحدى الشخصيات في الثامنينات من عمرها لديها مخاوف بشأن الكهرباء وتقول ” لم يكن بإمكاني الحصول على الكهرباء في المنزل, لن اتمكن من  النوم و  كل تلك الأبخرة تتصاعد” . يمكن أن يغفر لها هذا النقص في المعرفة , لأنها عاشت في عصر ما قبل جوجل. لم يعد لدينا هذا  العذر ( الانترنت بالطبع , يمكن أن يكون حقل معلومات مضللة , لكن هذه قصة ليوم آخر).

لفترة طويلة , بعد أن قرأت \ شاهدت شيئا مزعجاً في الاخبار , سأخشى قليلاً أن يحدث شيء مشابه لي . ليس بطريقة واضحة , ولكني انزعج عند حدوث ضجيج , أخشى قليلاً من المشي في غرفة مظلمة , أخشى الذهاب الى الأماكن المزدحمة, وما إلى ذلك. ما يحدث في الدماغ عندما يتم إرهاب الناس هو أن المعالجة الواعية للمخاوف قصيرة الاجل لصالح الاستجابة الأكثر استقلالية للخوف.

لم يتغير هذا إلا عندما بدأت في اتباع نهج أكثر إحصائية ومنطقية لمخاوفي, بالإضافة إلى الاعتراف بعدم العقلانية المتأصلة في افتراض وجود علاقة قوية بين شيء ما حدث في الاخبار وحياتي , فقد بدأت أسال نفسي سؤالاً بسيطاً – ما هو احتمال حدوث شيء تخشى من حدوثه في الواقع؟  في أغلب الأحيان , فإن الإجابة هي أن الاحتمالات ضئيلة جداً. هل سأقضي حياتي حقاً خائفاً من الأشياء التي لها فرصة ضئيلة جداً في الحدوث ؟ ما أقوم به أثناء طرح هذه الأسئلة  على نفسي هو إجبار المناطق الأكثر إدراكاً في الدماغ ( أجزاء من القشرة الدماغية ) على اللعب .

بالإضافة الى تسليح أنفسنا بمزيد من المعرفة حول الأشياء التي نخشاها, و ما الذي يمكننا القيام به للتغلب عليها ؟ ( افترض هنا أن الشخص الذي يقرأ هذا ليس لديه اضطرابات مرتبطة بالخوف مثل القلق أو اضطرابات ما بعد الصدمة , والتي تتطلب مساعدة متخصصة).

فبدلاً من أن التعمق في اللوزة الدماغية، التي تبدو شديدة جداً وثابتة وعلمية إلى حد ما لكل ما نخشاه  فكل ما سنفعله هو  الحيلة. كانت الفئران مهيئة للخوف من صوت تم إقرانه مراراً وتكراراً بصدمة كهربائية صغيرة , وقد انعكست مخاوفها عندما قام العلماء بتشغيل الصوت بشكل متكرر دون ربطه بالصدمة الكهربائية. يخلق ” علاج تلاشي أو انقراض الخوف ” عبارة عن ذكريات تتشكل في اللوزة, لكن يتم نقلها لاحقاً إلى مراكز المعالجة العليا للدماغ ( وتحديداً قشرة الفص الجبهي الوسطيmPFC) للتخزين. هذه الذكريات  في قشرة الفص الجبهي الوسطي هي التي تتغلب على ذكريات الخوف في اللوزة عندما ينجح علاج تلاشي الخوف. ما يحدث بشكل أساسي هو أن المخ يخبر نفسه: ” لقد كنت اعرض نفسي لهذا التحفيز المخيف مراراً وتكراراً ولم يحدث شيء , لذلك ربما لا يوجد شيء أخافه . لماذا تضيع الموارد العصبية الأساسية على شيء لا يستحق الوقت والجهد ؟

سوف تكبر ابنتي قريباً بدرجة كافية ولديها مجموعة من المخاوف الخاصة بها. إذا زودنها أنا و زوجي بالموارد اللازمة للتغلب على مخاوفها بمفردها , وتعليمها أن الخوف هو الشئ  الوحيد الذي يجب أن نخشى  منه , فربما نكون قد قمنا بمهمتنا .

المترجم : ريم زكار

تويتر: @Reemzakkar

المصدر: https://www.psychologytoday.com

مراجعة: زينب محمد

تويتر:@zinaabhesien

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *