ماذا يرى النرجسيون عندما ينظرون للمرآة؟

تاريخ النشر : 20/01/2019 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :672
المراجع رهف الحامد

Languages and Translation Student

المصمم munirah alassaf

في مقال حديث لي, ناقشت أهمية المرايا وانعكاسات نمونا النفسي, فماذا عن النرجسيين؟ ينبثق هذا السؤال عندما نفكر في علم النفس والمرآة. عادة ما يتم تصور النرجسي بأنه يحدق إلى نفسه بالمرآة في كل حين. وهذه الكلمة مستمدة في أصلها من الأساطير الاغريقية التي تصور شاب نرجسي وقع بالحب مع انعكاس صورته على مكان تجمع المياه, والتي تعتبر مرآته الخاصة به. للتوضيح الدقيق فأن معدلات النرجسية عند الرجال أعلى من عند النساء. ولكن عندما ينظر المرء لنفسه, يصبح فضولي تجاه نفسه, أو حتى يفتن بنفسه, هل هو نرجسي بطبيعته؟ استنادا إلى الأبحاث, فإن الجواب العام هو لا.

 

يخبرنا هذا البحث أن الروابط بين النرجسية والتركيز على الذات والجاذبية الجسدية معقدة ومدهشة.

 

أولا: يجب علينا معرفة أن الجميع يظن أنه جذابا أكثر مما يبدو عليه في الحقيقة. العديد من الدراسات في علم النفس تظهر أن استنتاجات الناس حول سماتهم وقدراتهم غالبا ما تتحسن. أي أننا عموما نؤمن بأننا أكثر ذكاء وجاذبية مما نحن عليه حقا. فبعض التجارب أظهرت أن هذا التحسن لدى الأشخاص يزيد في إدراكهم بأن وجوههم جذابة من الناحية الفعلية أكثر مما هي عليه. ففي إحدى التجارب, وجوه المشاركين أصبحت أكثر جاذبية أو أقل من خلال عملية التحويل. ثم عرض على المشاركين صف من وجوههم المحولة (كما هو الحال في تدرج صور أكثر جاذبية لوجوههم) وطلب منهم اختيار الصورة التي كانت وجوههم عليه في الواقع. كان المشاركون أكثر احتمالا في التعرف على النسخة المحسنة بشكل جذاب لوجوههم باعتبارها صورتهم الحقيقية, وحددوا نسخة محسنة جذابة لوجوههم بشكل أسرع في مجموعة أخرى من الوجوه. إذّا فإن عملية التحيز التحليلي هي عملية تلقائية أكثر من كونها عملية إدراكية مدروسة واعية.

 

ثانيا: الجاذبية الجسدية ترتبط بشكل إيجابي بالتحديق للمرآة. ففي إحدى الدراسات ذكرت إحدى النساء عن شعورها بالرضا عن مظهرها قبل التحديق بالمرآة, فكانت النتيجة بأن الشعور بالجاذبية و الرضا تضاعف بعد تحديقها في نفسها. وفي دراسة ميدانية مثيرة للاهتمام, لوحظ تحديق الرجال والنساء لأنفسهم عندما يمرون من أمام زجاج عاكس, وقد تم تسجيل الوقت الذي يستغرقه كل منهما في التحديق. حيث تم تصنيف الجاذبية الجسدية لكل مشارك بشكل منفصل من قبل المراقبين التجريبيين. فبالنسبة للذكور والإناث فإن الوقت الذي يقضيانه أمام المرآة على حد سواء مرتبطا إيجابيا بالجاذبية الجسدية.

 

ثالثا: يعتبر النرجسيون أكثر جاذبية من الأشخاص العاديين. فقد أظهر تحليل إحصائي (إحصاء ميتا) لما يقارب 50 دراسة مختلفة مكونة من ألف مشارك في التحليل على وجود علاقة صغيرة ولكنها موثوقة بين النرجسية و الجاذبية الجسدية. استندت الدراسة إلى تقييم المراقبين للجاذبية (وليس تصنيف النرجسيون لأنفسهم), لذا كان مقياس الجاذبية الجسدية أقل انحيازا. من السهل أن نتخيل لماذا يعتبر النرجسيون نفسهم أكثر جاذبية ولكن لماذا أيضا هم في الحقيقة أكثر جاذبية من غيرهم؟ النرجسيون يستمتعون بالنظر إلى أنفسهم بالمرآة وقد يقضون المزيد من الوقت في أعداد وتزيين أنفسهم لتعزيز صورتهم الذاتية الفخمة والمبالغ فيها. وبهذه الطريقة قد يكون النرجسيون أكثر اعتراضا على ذواتهم لأنهم يعتمدون في التعرف على ذواتهم من خلال مظهرهم وليس على شخصياتهم.

 

أخيرا السمة المميزة في النرجسيين هي الافتقار للعطف والتعاطف. لقد وجد في العديد من التجارب والملاحظات الإكلينيكية أن النرجسيين لديهم منظورا ذاتيا اعتياديا يمنعهم من إدراك عواطف الآخرين وخبراتهم. تظهر الدراسات أن النرجسيين لديهم عجز في القلق التعاطفي عند مستويات المشاركة العاطفية والاثارة ( أي التي تتجاذب مع مشاعر الآخرين) وفهم وتطهير العواطف والاحاسيس.

 

إذا ماذا يحدث في عقل النرجسي والذي يعتبر مختلفا عنا؟

التعاطف هي عملية تحتوي على المشاركة وفهم مشاعر الآخرين. يخبرنا علم الاعصاب أن هياكل الدماغ الأساسية مشاركة في عزل محتويات التعاطف وهي العزل الأمامي, القشرة الحزامية, و مناطق محددة من القشرة الأمامية الفصمية الوسطى. العقدة الأمامية و القشرة الحزامية الأمامية هي نقطة إلتقاء ما يسمى بالشبكة البارزة, وهي التي تحدد و تنسق تدفق المعلومات. وتعمل العقدة الأمامية كمحول ديناميكي بين شبكتين منفصلتين للمعالجة المعرفية: الشبكة التنفيذية المركزية, والتي تهتم بتنفيذ المهام بشكل فعال. وشبكة الوضع الافتراضي, والتي تشارك في العمليات الذاتية العاكسة. بعبارة أخرى, يمكن لأدمغتنا أن تحول التركيز بين مهمة ما وبين التركيز على أنفسنا, ولكن من الصعب القيام بهما معا في وقت واحد. العقدة اليمنى الأمامية تعتبر تركيبة مهمة للدماغ في تجربة وتوقع العواطف وأيضا تشارك في مهمة التفكير بأنفسنا. وعادة ما ترتبط العقدة الأمامية اليمنى والقشرة الحزامية اليمنى بالتعاطف مع الآخرين.

 

تشير دراسات تصويرية للدماغ في الآونة الأخيرة إلى عجز النرجسيون يعود إلى خلل وظيفي في المنطقة الأمامية. و يبدو هذا الاختلال على شكل خلل في آداء الشبكة البارزة التي لا يمكن للمنطقة الأمامية أن تغلق الوضع الافتراضي الذي يجعل الفرد يركز على ذاته. وبعبارة أخرى, يظهر لنا أن أدمغة النرجسيين تمنعهم من التوقف عن التفكير بأنفسهم. بطبيعة الحال هذا قد يعيق لديهم القدرة على تبادل وفهم مشاعر الآخرين.

 

ومن المثير للاهتمام أن هذا النقص في التعاطف بين الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية يعتبر عادة نتيجة لعدم الرغبة المتعمد في التعبير عن مشاعر واحتياجات الآخرين. ومع ذلك فإن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هذا الافتقار للتعاطف يأتي من عجز المعالجة الادراكية التي لا تضمن تحت السيطرة الواعية.

 

تشير أبحاث أخرى إلى أن النرجسيين قد لا يكونون متعمدين أو متعمدين دون قصد, ولكنهم ببساطة أقل قدرة على فهم مشاعر الغير وفهمها. ان القدرة على التعرف على مشاعر الآخرين من خلال تعابير الوجه هي مهارة مهمة مطلوبة في العطف والتعاطف.

 

في الدراسات التي استخدمت اختبارا كلاسيكيا للتعرف على تعبيرات الوجه من الخوف والغضب والاشمئزاز و الحزن وفهمها, أظهر النرجسيون عجزا في التعرف على المشاعر, لاسيما التي تظهر بسبب الخوف أو الغضب. هذا الميل للنرجسيين لتأدية الأسوأ في مهمة التعرف كان صحيحا بغض النظر عن المدة التي استغرقوها في التعرف على المشاعر خلال آداء المهمة. لذا فالنرجسيون يواجهون صعوبة في التعرف على مشاعر الضيق والعسر (مثل الخوف والغضب)عند الآخرين- مما قد يعوقهم عن التعاطف معهم.

 

ففي تجربة لتصوير الأعصاب, قامت عينة مقسمة إلى أشخاص ذو نرجسية عالية ونرجسية منخفضة بمهمة التعاطف مع صور الوجوه العاطفية. ظهر لدى النرجسيون تباطئا أقل في العقد الأمامية اليمنى وتفعيل أعلى في القشرة الحزامية الخلفية والمناطق القاعدية- مرة أخرى- مما يشير إلى أنهم واجهوا صعوبة في إيقاف تركيزهم على أنفسهم. في استبيان, سجلت المجموعة النرجسية أعلى مستويات القلق الشخصي في تكوين العلاقات الشخصية المجهدة والتحكم فيها. ويمكن أن يكون لديهم صعوبة في المؤثر العاطفي الخاص بهم بسبب وجود نشاط مفرط في العقدة الأمامية اليمنى. وهذا يعني عدم القدرة على إيقاف التركيز في أنفسهم,وفي الوقت نفسه وجود كميات كبيرة من المحفزات المثيرة داخل عالمهم الداخلي قد يؤدي إلى إضعاف عمل النرجسية في العقدة الأمامية اليمنى بشكل أكبر. ونتيجة ذلك يتم تقليب معالجات المحفزات الخارجية في العالم الاجتماعي, وينظر إلى الأشخاص النرجسيون على أنهم يواجهون مشاكل في فهم وجهات نظر الآخرين. إذا فالنرجسيون يواجهون صعوبة في التحكم في التركيز على ذواتهم, والتعرف على عواطف الآخرين, وتنظيم قلقهم, ويبدو أن هذه هي أسباب صعوباتهم في التعاطف والاستجابة التعاطفية.

 

من المثير للاهتمام أن المرايا تساعدنا في التعرف على عواطفنا وتذكر عندما تشاهد نرجسيا قد كون هناك الكثير من الأحداث الخفية أكثر مما تراه الأعين.

ترجمة: آلاء الغامدي

Twitter @alaagh167

مراجعة: رهف الحامد

Twitter @RM_HII0

المصدر:

Psychology Today: Health, Help, Happiness + Find a Therapist


شاركنا رأيك طباعة