- مجموعة نون العلمية‎ - http://n-scientific.org -

الهيليوم، بعد اكتشافه قبل 150 سنة. هنا تكمن أهمّيته

إنّه لأمر غاية في المتعة رؤية غاز الهيليوم يرفع البالونات في الهواء أو قد يكون أمرًا محزنًا لو كان البالون لطفل صغير أفلته فطار في الهواء أو من لم يرتشف غاز الهيليوم من أحد البالونات ثم أصبح يوقوق مثل البط دونالد (من الرسوم المتحركة لديزني)؟

 

 بالرّغم من أنّه ليس من الذكاء القيام بذلك بما أنّ الهيليوم قد يزيح الهواء من رئتنا أو قد يتسبّب في مشاكل تنفسية.

بعيدًا عن البالونات وجعل أصواتنا حادة، فيمَ يُستخدم الهيليوم؟ هل ينبغي علينا أن نهتمّ أو لا نبالي لو نفد هذا الغاز منا؟ الهيليوم هو عبارة عن غاز ربّما لن يكون مفاجئًا أن نعرف أنّه لا يوجد أيّ شيء مشترك بين الهيليوم والبشر لكنّنا نحتاج بعضنا البعض اقتصادات القرن الواحد والعشرين تعتمد على الهيليوم والهيليوم يحتاجنا لكي نجد طرقًا ناجحة للحفاظ عليه وإلا سينفد منّا.

الهيليوم غاز نبيل، تمّ اكتشافه لأوّل مرة قبل 150 سنة، في الثامن عشر من شهر أكتوبر 1868 من طرف عالم الفلك الفرنسي جول جانسون، أثناء كسوف كلي وقام بتسميته بهذا الاسم نسبة إلى مصدر الاكتشاف وهو الشمس، أو هيليوس (كما تُسمّى في الميثولوجيا – علم الأساطير)، بما أنّه لم يتم اكتشاف الهيليوم بعدُ في ذلك الوقت على الأرض ومنذ ذلك الوقت أصبحت العديد من الاكتشافات العلمية تدور حول الهيليوم فالأدوات التحليلية الحديثة استعملت في ميادين عدة من الطبّ إلى الفيزياء الفلكية دون أن ننسى الهواتف الخلوية التي نحملها معنا على الدوام والتي لم تكن ممكنة لولا الهيليوم المستعمل في عمليات التصنيع.

أنا باحث علمي أعمل في جامعة ولاية كولورادو – أسفل جبال الروكي ومنزلي في رامس – أعتمد على العديد من التجهيزات المعتمدة على الهيليوم المتاح من أجل الأبحاث التي أقوم بها بفضل الهيليوم أنا وزملائي ونظراؤنا من كل أنحاء العالم باكتشافات علمية تثري مجموعتنا العالمية – كلّها تعتمد على الخواص الفيزيائية التي يتِحها الهيليوم.

 

مخزون الهيليوم على الأرض محدود

قد تتذكّر سنوات قليلة مضت عندما صدرت تقارير عن نقص في مخزون الهيليوم نفس الشيء بالنسبة للتقارير المرحلية بما فيها تقارير العام الحالي، التي تتحدّث عن انحصارات في المخزون العالمي فهل تسترعي هذه الأزمات الاهتمام الوطني؟

لطالما كان الهيليوم يحوم حولنا منذ البداية وتشكّل بوقت قصير بعد الانفجار العظيم منذ ملايين السنين وهو ثاني أخف الغازات وثاني أكثر العناصر شيوعًا في الكون بجانب الهدروجين.

لا يوجد الكثير من الهيليوم على كوكب الأرض رغم ذلك، فقط بعض الأجزاء من المليون والمشكل أنّ نواة الهيليوم خفيفة جدّا لدرجة أن جاذبية الأرض لا يمكنها الامساك به فبمجرّد دخول الهيليوم الجوّ يتسرّب إلى خواء الفضاء ويضيع من الأرض و ُكنَس بعيدًا مع رياح الشمس.

وبالرغم من هذا النزيف المتواصل لمخزون الهيليوم من الأرض كانت احتياطات الهيليوم وفيرة كفاية حتى مؤخرًا معظم احتياطات الهيليوم التي نحوز عليها على الأرض تشكّلت بشكل مختلف عن أصلها في الانفجار العظيم.

فالعناصر المُشعَّة مثل اليورانيوم والثوريوم تتفكّك إلى أجزاء أصغر أو جزيئات بما فيها جزيئات آلفًا صغيرة جدّا هذه الجزيئات هي ذرات الهيليوم مجرّدة من إلكتروناتها عارية تمامًا نشيطة وجد مشحونة نسمّي هذا التفكّك انفلاق العناصر المشعة بما أنّ العناصر تنشقّ إلى مكوّنات وليدة جديدة والطاقة تم إطلاقها.

تفكّك هذه العناصر المشعة يعيد ملء الهيليوم الذي تمّ فقدانه في الجوّ فهو محصور بين معادن عديدة وتتجمّع خزانات غازية طبيعية كبيرة أي يتمّ التنقيب عنها مثل احتياطي الهيليوم الوطني في تكساس بالرغم من ذلك هذه العملية الطبيعية تستمرّ آلاف السنين لتوليد كميات من الهيليوم التي تستحقّ التنقيب عنها لأغراض تجارية.

 

لماذا نحتاج الهيليوم؟

مع كتلة نووية من أربع عناصر فقط – بروتونَيْن ونوترونَيْن – الهيليوم عنصر مستقرّ جدًا. أحد خواص الهيليوم الأكثر حيوية لأغراضنا هو أنّه خامد كيميائيًا وغير مشع فهو غير قابل للاحتراق وغير سامّ والأكثر أهمية من ذلك، درجة غليانه في 4.2 كيلفن أو ناقص 268 درجة مئوية والتي هي أقرب من الصفر المطلق وهي أدنى درجة ممكنة في الكون لا يمكن لأيّ عنصر آخر أن يبقى سائلاً في هذه الدرجة ببساطة لا توجد أيّ مادة أخرى بخصائص الهيليوم الفريدة متوفرّة لدينا في هذا الوقت.

في العديد من التطبيقات الصناعية لا يوجد أيّ بديل للهيليوم الرخيص نسبيًا فهو ضروري وحيوي في الصناعات الفضائية وتكنولوجيات الدفاع وتصنيع التقنيات المتطورة واختبارات محركات الصواريخ والتلحيم والغوض التجاري والمغناطيسات في المسرعات الجزيئية وإنتاج أسلاك الألياف البصرية والرقائق الشبه موصلة الموجودة في هاتف الخليوي.

ومع ذلك يبدو أنّ أكبر استخدام للهيليوم هو دعم صناعة التصوير الطبي التصوير بالرنين المغناطيسي (آم آر آي) بالتحديد وتحليلات المواد الراقية التي تستفيد من ميادين المغناطيس العالية لصناعة أجهزة الرنين المغناطيسي النووي (آن آم آر) وقياسات المطيافية هذه الميادين لم يكن في الإمكان توليدها من دون سائل الهيليوم ذو درجة الغليان المنخفضة للغاية.

مفاتيح أجهزة الـ آم آر آي وآن آم آر – المستخدمة لتصوير جسم الإنسان – في استخدام مواد الموصلية الفائقة التي تستقر عند 4.2 كيلفن. معظم المواد تقاوم تدفّق الإلكترونات أو التيار وعبرها وهذا ما بدا أنّه مشكلة لبناء المغناطيس فكل جهاز إلكتروني نستعمله كل سلك يغذي المخارج بالتيار وكل البنى التحتية المستخدمة في نقل الطاقة الكهربائية عبر شبكة طاقوية عبر قوى مقاومة هذه المقاومة تجعل من الصعب توليد حقل مغناطيسي كبير بتيارات كهربائية عالية مطلوبة.

الموصلات الفائقة سحرية تقريبًا وليس لها أيّ مقاومة لتدفّق الإلكترونات ولها القدرة على توليد حقل مغناطيسي هائل ما يسمح بتصوير طبي عالي الدقة لكن لتشتغل الموصلات الفائقة بشكل صحيح يجب أن يتمّ حفظها في درجة حرارة منخفضة جدًا – ومن هنا تكمن ضرورة استخدام سائل الهيليوم.

الهيليوم والموصلات الفائقة

حينما يُلفُّ ملف سلكي (سلك معدني ملولب) حول مادة موصلية خاصة، ثم يُبرَّد إلى 4.3 كيلفن أو أقل في الليثيوم السائل تتحقّق درجة الحرارة الحرجة ويتم ضخ تيارات عالية جدّا في الملفّ أكبر حقل مغناطيسي مستقر تمّ توليده حتى الآن كان بواسطة مغناطيس تسلاً 45 الهجين أو 450،000 غوس، المسمّى: مغناطيس بيتر فائق الموصلية الموجود في مخبر الحقل المغناطيسي العالي الوطني في الولايات المتحدة في جامعة فلوريدا هذا المغناطيس ينتج حقلاً مغناطيسيًا أكبر بـ 1.5 مليون مرة من الحقل المغناطيسي للأرض.

في بحثنا نستخدم الـ آن آم آر لتحديد بصمة الخواص الفيزيائية لاكتشافات المواد الجديدة في مخابرنا بعضها يصبح أدوية مثل بعض المضادات الحيوية الجديدة لمواجهة تحديات الصحة العالمية فيما تصبح أخرى مواد بناء مستدامة قابلة لإعادة التدوير. كما تم تحقيق تقدّم في مجال الطاقة تطوير بطاريات صغيرة ومحمولة وعالية الطاقة التي يمكنها تقليل اعتمادنا على وقود الكربون أما الـ آن آم آر فتعتمد بدورها على كميات غزيرة من الهيليوم لتشتغل وهو آمر مستبعد الحدوث في القريب العاجل.

لحسن الحظ أصبحنا مضيفين جيّدين نحو احتياطاتنا المتبقية، فنحن نعثر على احتياطيات جديدة في كل وقت كما أننا نتعلّم كيفية إعادة تدوير غاز الهيليوم قبل فقدانه في الفضاء وقد بدأنا نعرف كيفية صنع مواد جديدة فائقة الموصلية بدرجات أعلى في المتناول كل هذه التطويرات تأخذ وقتًا وأموالاً كثيرة ولسوء الحظ عمليات إعادة التدوير تتطلّب الكثير من الطاقة لحرق الفحم.

في انتظار ذلك سنحتاج إلى مواصلة البحث عن مصادر أكثر لهذا المصدر الثمين وتطوير استراتيجيات أفضل لإعادة التدوير يمكننا أخذ خطوات فردية صغيرة في هذا الاتجاه بشراء بالونات احتفالية أقل من جهة أخرى هذا جزء يسير جدًا من كل الهيليوم الذي نستهلكه والبهجة الكبرى التي يقدّمها بمقابل مالي صغير على ما أعتقد فقط لتعتبر حينما تشاهد في المرة القادمة بالونًا يسبح عاليًا بحمولته من الهيليوم طائرًا بها إلى الكون الفسيح.

المترجم: كتفي بلال

Twitter @iBylelK

المراجع: هلا الطريّف

Twitter @AlTuraifHala

المصدر:

Live Science