ماذا تعلم عالم الاقتصاد من خلال العمل في أوبر

تاريخ النشر : 07/09/2018 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :342

 

الملخص

على مدى السنوات القليلة الماضية درس بروفيسور كلية ستانفورد للدراسات العليا في إدارة الأعمال بول أوير اقتصاد العمل المستقل المتنامي من أكثر من منظور، فهو باحث ومستشار لموقع اب وورك Upwork”” أكبر موقع إلكتروني للعمل الحر في العالم، حيث قام بتحليل الفروق بين الدخل السنوي للموظفين الدوام الكامل ودخل موظفيّ الدوام الجزئي في مجال العمل الحر، ثم فحص وتحقق من قاعدة بيانات شركة اوبر “Uber” في العام الماضي؛ لفهم كيفية عمل منصة مشاركة المركبات بشكل أفضل، عمل ليصبح أحد أفضل السائقين المعتمدين في الشركة.

 

جلسنا مؤخرا مع أوير وكان هدفنا الرئيسي هو معرفة المزيد عن التحولات الثقافية الكثيرة التي سببها اقتصاد العمل المستقل، وما الذي تعلمه أستاذ الاقتصاد المتقاعد من خلال القيادة بالناس من أجل كسب المال.

 

لماذا قررت أن تصبح سائقًا في أوبر؟

أنا عالم اقتصادي وغالبًا أدرس مجموعات محددة من سوق العمل، على سبيل المثال كتبت ذات مرة أطروحة حول وظائف الاقتصاديين، وقد فهمت السياق المؤسسي، ثم بدأت بالبحث وتقديم بعض الاستشارات لموقع اب وورك “Upwork”ولتكون لدي فكرة أفضل عن السياق المؤسسي، فكرت في البحث عن عمل يستخدم هذه المنصة، لكن لا أملك أي مهارات لأنجح في العمل الحر.

 

ليس هناك الكثير من العمل لعلماء الاقتصاد في Upwork ؟

نعم، ولكن مع أوبر العائق الوحيد هو أن تصبح سائقًا وبالتالي موظفا في اقتصاد العمل المستقل، وفرصة كبيرة فإذا أردت دراسة السوق من منظور أكاديمي يمكنك التسجيل الأن، فمن السهل الاندماج في السوق أثناء تحليله، وبالمناسبة هذا ما أقوم به مع الأستاذة  ريبيكا دياموند من جامعة ستانفورد للأعمال وكذلك مع الموظفين في أوبر الذين سمحوا لنا  بالأطلاع  إلى الكثير من بياناتهم، أنا وريبيكا مهتمين بهذا لأننا أردنا معرفة المزيد عن أهمية المرونة في اقتصاد العمل المستقل. اقتصاد العمل المستقل لديه الكثير من المزايا والعيوب ولكن الميزة الأكبر هي المرونة فأنت تعمل عندما تريد ذلك، وعلى وجه الخصوص نحن أردنا إجراء تجارب ستعطينا فكرة عن مدى تقدير النساء لتلك المرونة مقارنة بالرجال.

 

ماذا وجدت؟

ما زلنا في المراحل الأولى من بحثنا ولكن هناك شيء واحد وجدناه وهو أن سائقي أوبر الذكور يكسبون حوالي 7٪ أكثر من السائقات الإناث، وبصفتي خبيرًا اقتصاديًا في مجال العمل فأنا دائمًا مهتم بالفروق بين رواتب الذكور والإناث خاصةً عندما يتعلق الأمر بالتمييز بين الجنسين، ولكن مع أوبر فإن الخوارزمية التي تعين السائقين للراكبين لا تفرق بين الجنسين فالرجال والنساء يعاملون بنفس الطريقة، كانت فرضيتنا التشغيلية أن الفروق في أهمية المرونة ستكون أساسية هنا، ولقد توصلنا إلى أن أي اختلاف في الأجور بين الجنسين سيتم تفسيره من خلال حقيقة أن السائقين الذكور في أوبر غالباً ما يعملوا في وقت متأخر من الليل أو عندما يرتفع معدل زيادة الطلب على خدمة التوصيل (يكسب السائقون أكثر لكل رحلة عندما يرتفع الطلب)، في حين أن السائقات الإناث يقودون غالباً في أيام الأسبوع عندما يكون أطفالهم في المدرسة، فغالبية الذكور يطاردون المال والنساء يبحثن عن الوقت المناسب لجداولهن للعمل.

 

هل هذا يفسر لماذا يكسب السائقين الذكور أكثر من الإناث؟

 أتضح أن أهمية المرونة كانت عامل صغير، فهناك عاملان آخران كانا أكثر أهمية، أولهما ان سائقي أوبر الذكور يقودون لساعات أكثر في الأسبوع فمن المرجح أنهم يبقون على المنصة لمدة أطول وهذا يؤتي ثماره من الناحية المادية؛ لأنه يبين وجود منحنى تعليمي كبير، بمعنى آخر، سائقي اوبر الذكور أكثر خبرة،  ونتيجة لذلك فإنهم يكسبون المال أكثر، أما العامل الآخر هو التمييز بين الجنسين والذي يسود غالبية المجتمع، ففي أذهانهم الرجال يقودون بسرعة أكبر من النساء، ومن يقود أسرع يزداد أجره.

 

كخبير اقتصادي ما الذي تعلمته من القيادة في أوبر؟

بدأت القيادة لأنني أردت معرفة أنواع التجارب الأخرى التي يمكننا القيام بها وقد كانت تجربة مثمرة، فعلى سبيل المثال ميزة التعلّم عن طريق العمل تعود جزئيًا إلى أن السائقين يتحسنون في قبول أو إلغاء التوصيل بطريقة استراتيجية، في بداياتي كسائق لم أكن أعلم حقًا ما كنت أفعله ولكنه أمرًا يمكنك تعلمة مع الوقت، كما تعلمت أنه في حين أن اقتصاد العمل المستقل شيء جيد، وساعات العمل مرنة إلا انه يسبب الكثير من الضغط عليك، فأنت تفكر باستمرار “هل أرغب في الخروج والقيادة؟ إذا لم أكن أخرج وأقود السيارة فلن أحصل على أي أموال ” وينطبق الشيء نفسه على أي وظيفة في اقتصاد العمل المستقل – فأنت رجل أعمال صغير لا أحد يدفع لك وإذا لم تكن تعمل، فيجب عليك الخروج والعمل.

 

لقد ذكرت أن عدم الاستقرار هو أحد العيوب الأساسية في العمل الحر، لكنك تفرق بين عدم الاستقرار والمخاطر فهل يمكن ان توضح ذلك؟

بصفتك موظفًا في اقتصاد العمل المستقل فعليك تطوير القدرة على التعامل مع التقلبات، مما يعني إدارة عبء العمل الذي لم يكون على عائقك  إذا كان لديك رئيس في العمل يتحمله عنك، ويعني أيضًا إدارة وحساب دخلك؛ الذي لن تلقي له بالاً إذا كان دخلك ثابت كل أسبوعين، لذلك هناك بعضاً من عدم الاستقرار ولكن ليس الكثير من المخاطر.

 

اليوم إذا كنت مبرمجًا في موقع Upwork يمكنك البقاء مشغولاً للغاية، فحالة الاقتصاد الان جيدة تقريبا لأي مبرمج يريد العمل بدوام كامل. أثناء حديثنا الآن فإن بورصة ناسداك “Nasdaq” تحوم حول 7000، ولكن إذا تراجعت ناسداك إلى 3000 في أي وقت قريب وبدأت الشركات في الإغلاق، سيبحث الكثير من المبرمجين عن عمل. وهذا يعني أن الجميع تقريبا في Upwork  سيفقدون جزء من أعمالهم، وبالمقارنة إذا أُغلقت شركة ما أو قامت بتسريح العمال فإن بعض العاملين سيفقدون وظائفهم بالكامل وهو اضطراب أكبر بكثير، فموظفي الدوام الكامل عندما يفقدون وظائفهم في ظل اقتصاد متدهور سيصبحون معرضين لخطر أكبر من الذين يعملون في المجال الحر الذين قد يفقدون بعض ولكن ليس كل دخلهم.

 

أيضًا، من المثير للاهتمام هو أن الأشخاص الذين يختارون العمل في اقتصاد العمل المستقل يحصلون على دخل اقل في السنة ولكن ذلك يرجع لسبب عملهم لساعات أقل. أفضل تقديراتي هي أنهم يحصلون على 6٪ أقل من دخلهم في السنة، ولكن حوالي 15٪ أكثر من في الساعة، فإذا كنت تعمل في اقتصاد العمل المستقل فيمكنك تحصيل العمولة في الساعة حسب اختيارك.

 

لقد أجريت بعض الأبحاث حول الطريقة التي يقوم بها اقتصاد سوق العمل المستقل لإعادة توزيع الثروة كيف يمكن هذا؟

أعتقد أننا نستطيع أن نقول بوضوح أن منصات مثل Upwork وغيرها من المواقع المستقلة التي تعمل عبر الحدود تسهم إسهاما صغيرا في خفض التفاوت العالمي، ويمكن للأشخاص الذين يتمتعون بمواهب ويعيشون في أوكرانيا أو الفلبين أو الهند أن يعملوا لصالح شركات أمريكية ولو أنهم وظفوا الأمريكيين للقيام بتلك الوظائف لكانت التكلفة أكبر؛ لا تستطيع جميع الشركات الاستعانة بموظفين من الخارج في العديد من الوظائف ولكن البعض يستطيع. بالنسبة إلى هذه الوظائف فإنها تقوم بنقل الأموال من مكان غني إلى مكان أقل غنى نسبيًا، وعندما يتم إنفاق هذه الأموال في الفلبين على سبيل المثال فإن فائدة ذلك لا تعود فقط على العاملين في اقتصاد العمل المستقل ولكن أيضًا للفلبينيين الآخرين.

 

وينطبق الشيء نفسه هنا في الولايات المتحدة ولكن بدرجة أقل، فمشتري الخدمة أو صاحب العمل في Upwork هو من منطقة يكون الدخل فيها أعلى بنسبة 36٪ من المعدل الوطني، في حين أن البائع العادي أو العامل المستقل يكون من منطقة الدخل فيها أعلى بنسبة 14 ٪ فقط من المعدل الوطني. اقتصاد العمل المستقل يسمح للأشخاص الذين يعيشون في مناطق الطبقة المتوسطة بعمل عمل للأشخاص الذين يعيشون في مناطق الطبقة العليا.

 

يبدو أن أحد الجوانب السلبية المحتملة في اقتصاد العمل المستقل هو أنه يقلل من شبكة الأمان الاجتماعي

من الصعب عزل ذلك من التشعب الكلي للمجتمع إلى من يملكون ومن لا يملكون، عدم المساواة في الولايات المتحدة أمر درامي ومعضل الآن. على مدى السنوات الخمسين الماضية انخفض متوسط دخل الرجال الذين ليس لديهم تعليم جامعي نتيجة للتضخم، الأمر ليس انه يرتفع ببطء – بل هو في الواقع أقل مما كان عليه قبل خمسين عامًا ومن ناحية أخرى بالنسبة  للشخص العادي ذي الشهادة المهنية فدخله قد وصل الى الضعف أو أكثر في نفس الوقت.

 هذه مشكلة كبيرة ولا أعتقد أن اقتصاد العمل المستقل نفسه يجعل الأمر أسوأ، فكونك عاملاً بمهارات منخفضة اليوم أمر صعب جداً سواء كنت تعمل في وظيفة تقليدية أو في اقتصاد العمل المستقل، في الواقع يمكن تقديم حجة بأن اقتصاد العمل المستقل هو شبكة أمان بديلة لأنه عندما تفقد وظيفتك يمكنك إبقاء رأسك فوق الماء من خلال العمل في Upwork  أو TaskRabbit أو Wonolo أو Shiftgig.

 

ماذا عن حقيقة أن الكثير من الناس يعتمدون على أصحاب العمل في التأمين الصحي واستحقاقات التقاعد؟

مع نمو اقتصاد العمل المستقل يجب أن يكون هناك بعض ردود فعل العامة عليه، علينا أن نسهل للناس الحصول على هذه المنافع بمفردهم خاصة عندما يتعلق الأمر بالتأمين الصحي. وهذا يعني تبني سياسات عامة تشجع على نقل الفوائد،

كما نجحنا في نقل خطط التقاعد، ولكن بشكل عام شبكة الأمان في الولايات المتحدة ضعيفة ونمو اقتصاد العمل المستقل لن يجعل الوضع أفضل، إن اكتشاف كيفية التعامل مع الرعاية الصحية للعاملين في اقتصاد العمل المستقل هو مصدر قلق كبير، ولكنه في الواقع يعتبر مشكله صغيره في مخطط التحديات الشاملة لسياسة الرعاية الصحية التي نواجها في الولايات المتحدة في الوقت الحالي.

 

بالنسبة إلى الكثير من الأشخاص هناك شعور بالألفة عند الذهاب للعمل في شركة كل يوم فالموظفين يرون زملاءهم كعائلة ثانية ولكن هذا لا يتواجد عندما تعمل لحسابك الخاص مما يعني أن تكون وحيدا !

صحيح هذه نقطة رائعة، عمل الشخص هو أكثر من مجرد راتب فهناك فائدة ثقافية واجتماعية للعمل فيكوّن الناس صداقات مقربة، بل ويقابلون أشخاصًا مهمين آخرين في العمل. اقتصاد العمل المستقل ليس مناسب لكثير من الناس لهذا السبب بالذات، كثير من الناس يضعون قيمة عالية على مرونة الاقتصاد العمل المستقل ولكن الآخرين يضعون قيمة أكبر على هيكلة الوظائف التقليدية.

 

لقد كُتِب الكثير عما يمكن أن توفره الشركات بتوظيف اشخاص مستقلين يعملون لحسابهم الخاص، لكن متى لا ينبغي على صاحب العمل أن ينغمس في اقتصاد العمل المستقل؟

النشاط التجاري الناجح يدور حول التميز، في حين أن اقتصاد العمل المستقل يرتكز على تسليع العاملين وأنت لا تريد خلط هذين الأمرين. إذا كان نشاطك التجاري ناجحًا، فذلك لأنك تتمتع بميزة تنافسية، إي أنك تفعل شيئًا يصعب على الشركات الأخرى تكراره، ويجب ألا تقوم بتوظيف عاملين في اقتصاد العمل الحر لأي وظيفة تعتبر المفتاح لإنشاء أو الحفاظ على الميزة التنافسية الخاصة بك.

 

بالعودة إلى عملك كسائق في أوبر هل تعلمت أي شيء مثير للدهشة؟

سترى جانبا من نفسك قد لم تدركه من قبل، لقد تعهدت من البداية أنني سأتبرع بكل أرباحي للجمعيات الخيرية لأنني كنت أتلقى راتباً من قبل جامعة ستانفورد وكنت أقوم بالقيادة في “أوبر” كجزء من بحثي. ومع ذلك سيكون هناك أيام سأعمل فيها كسائق في أوبر وسألقي نظرة على التطبيق وأقول “هل هذا كل ما جنيت؟“.

 

هل هذا بسبب الطريقة التي يتم بها جعل المنصة” ملوعبه ” مما يعني استخدام برمجة الألعاب لغير برامج الألعاب؟

لا أعلم أذا كان بإمكاني القول أن هذه المنصة كتصميم برامج الألعاب، فتطبيق أوبر يعطي السائق الكثير من المعلومات حتى يتمكن من اتخاذ الخيارات المناسبة، لكنها أخرجت الجانب التنافسي في داخلي وأنا فخور للغاية بتقييمي العالي من الركاب رغم أن ذلك قد يرجع إلى سبب قيادتي لسيارة أودي Audi ، وقد كان هناك بعض المفاجآت السارة مثل حقيقة أن الغالبية العظمى من الركاب كانوا لطيفين ومثيرين للاهتمام ولم أواجه تجربة سيئة مع أحد الركاب.

 

هل أخبرت أحد ما بما كنت تفعله حقاً؟

لا، مطلقًا.

 

هل سبق لك أن كذبت؟

أنا لم أكذب ولكن من المحتمل أنني لم أقدم الإجابة الكاملة لكل سؤال.

 

 

 

 

ترجمة: نجود الغامدي

Twitter: @njoodagh

مراجعة: سلمى النويصر

 

المصدر:

Stanford Graduate School of Business

 


شاركنا رأيك طباعة