- مجموعة نون العلمية‎ - http://n-scientific.org -

لماذا يجب علينا التوقف عن إخبار الآخرين بأننا “نعلم تماماً كيف يشعرون”

الملخص:
نحن نمر بالعديد من الحوارات اليومية، ولطالما ما تردد ألستنا عبارات “نعم، أفهم ما تشعر به”، “كذلك قد مررت بالموقف ذاته”. ولكن هل ندرك فعلاً مشاعر الشخص الآخر؟ يتمثل موضوع هذا المقال بتعريف النرجسية التخاطبية، وعبارات تمثلها بالإضافة للحالات التي يمكن أن تتفق مشاعرك مع مشاعر الشخص الآخر.

“أنت لا تعلم، كما أنك تقوم بجرف الانتباه بعيداً عن متحدثٍ كل ما يريده هو أن يجد أذناً صاغية. هنا سأخبرك كيف يمكن أن تصبح شريك محادثات أفضل”، قالت مضيفة الراديو والكاتبة سيليست هيدلي.

توفي والد صديقة عزيزة لي منذ بضعة سنين، وجدتها تجلس وحيدة خارج مقر عملنا، تحدق في الأفق، كانت مضطربة، ولم أعلم ماذا يتوجب علي القول لها. إنه لمن السهل أن تقول شيئاً غير ملائم لشخص في شدة الحزن والضعف.

لذلك فقد بدأتُ بالحديث عن كيف نشأتُ من دون أب. أخبرتها بأن والدي قد غرق في غواصة عندما كان عمري تسعة أشهر فقط، ولطالما بكيت خسارته، رغم أنني لم أعرفه أبداً. أردتها أن تدرك بأنها ليست وحيدة، وأنني قد مررت بتجربة مشابهة وأستطيع أن أفهم شعورها.

ولكن بعد ذكري لهذه القصة، انفجرت في صديقتي قائلة: “حسناً، سيليست، أنت تفوزين. لم تحظي بأب أبداً وقد حظيت أنا بثلاثين سنة مع أبي. لقد كان وضعك أسوأ مني، أعتقد بأنني يجب ألا أنزعج أن والدي قد توفي للتو”.
كنتُ مذهولة ومُحرجة: “لا لا لا، لم يكن هذا ما قصدت قوله على الإطلاق، أردت إخبارك فقط بأنني أعلم كيف تشعرين”.
وقد أجابتني: “لا سيليست، أنت لا تفهمين. ليس لديك أدنى فكرة عما أشعر به الآن”.

“في كثير من الأحيان، بشكل خفي وغير واعي، تقوم النرجسية التخاطبية بالاستحواذ على معظم الحديث، وتحويل الانتباه المتبادل إليك فقط.”

انصرفت وتركتني واقفة هناك كالحمقاء. كل ما أردته هو التخفيف عنها وعوضاً عن ذلك، فقد أحزنتها أكثر. فعندما بدأت بمشاركة مشاعرها الصريحة، شعرت بعدم الراحة، ولذلك قمت بالانتقال لموضوع مريح لي وهو: نفسي. لقد أرادت أن تتحدث عن والدها، أن تخبرني أي نوع من الرجال كان، أرادت أن تشارك ذكرياتها العزيزة. بدلاً من ذلك، طلبتُ منها أن تستمع لقصتي.

منذ ذلك اليوم، بدأت ألاحظ عدد المرات التي استجبت فيها لقصص الخسارة والمعاناة بقصص من تجربتي. قد يأتي ابني ويخبرني عن خِلافه مع فتى من الكشافة، فأحدثه عن تلك الفتاة التي اختلفت معها في الجامعة. عندما تُطرد زميلة لي، فإنني أخبرها عن معاناتي في إيجاد وظيفة عندما طُردت قبل بضعة سنين. عندما بدأت بالانتباه أكثر، أدركت الأثر الناتج من مشاركة تجاربي لا يتفق أبداً مع مقاصدي. كل ما أراده مني هؤلاء الأشخاص أن أسمعهم وأفهم ما يمرون به، ولكنني أجبرتهم على الاستماع إلى قصصي. 

يصف عالم الاجتماع تشارلز ديربر الميل لهذا التصرف بالـ “النرجسية التخاطبية”. وهي في كثير من الأحيان خفية وغير واعية، إنها الرغبة في الاستيلاء على الحوار، وتحويل الانتباه إلى نفسك. يكتب ديربر أن هذا التصرف “هو الطريقة التي تظهر فيها الطبيعة النفسية الرغبة في الهيمنة على كل الاهتمام في أمريكا”.

ويصف نوعين من الردود في المحادثات: استجابة التحول واستجابة الدعم. تقتضي الأولى بتحويل الانتباه إلى نفسك، والثانية بدعم تعليق الشخص الآخر.

المثال الأول

استجابة التحول

ماري: أنا مشغولة جدا الآن.

تيم: أنا أيضاً. أنا مُتعب تماماً.

استجابة الدعم

ماري: أنا مشغولة جداً الآن.

تيم: لماذا؟ ما الذي عليك القيام به؟

المثال الثاني

استجابة التحول

كارين: أحتاج أحذية جديدة.

مارك: كذلك أنا. أحذيتي الحالية بالية.

استجابة الدعم

كارين: أحتاج أحذية جديدة.

مارك: أوه حقاً؟ بأي نوع من الأحذية تفكرين؟

تمثل استجابة التحول سمة مميزة من نرجسية التخاطب – إنها تساعدك على تحويل التركيز باستمرار إلى نفسك. ولكن استجابة الدعم تشجع الشخص الآخر على مواصلة قصته. وتخبرهم بأنك تستمع إليهم وتود معرفة المزيد.

“يمكننا أن نخفي ببراعة وحرص محاولاتنا لتحويل التركيز إلينا – فقد نبدأ الجملة بملاحظة داعمة ومن ثم نتبعها بتعليق عن أنفسنا.”

غالباً ما تستخدم لعبة التقاط الكرة ككناية عن الحوار. في اللعبة الحقيقية، يتوجب على اللاعبين أن يتناوبا الدور. ولكن في الحوار، نحن غالباً ما نجد طرقاً لمقاومة إعطاء شخص آخر دوره. في بعض الأحيان، نستخدم وسائل سلبية للاستيلاء خفيةً على الحديث..

ليس من السهل دائماً ملاحظة ما نفعله أثناء الحوارات من تجاذب للانتباه المُشابه للعبة شد الحبل. يمكننا أن نخفي ببراعة محاولاتنا لتحويل التركيز إلينا. قد نبدأ الجملة بتعليق داعم، ومن ثم نتبعها بتعليق عن أنفسنا. فعلى سبيل المثال، إذا أخبرنا أحد الأصدقاء بأنه قد حصل على ترقية للتو، فقد نرد على ذلك بالقول: “هذا أمر عظيم! تهانينا، سأطلب من رئيسي ترقية أيضاً، آمل أن أحصل عليها”.

هذا الرد لا بأس به، طالما أننا نسمح بتسليط التركيز على الشخص الآخر مرة أخرى. ولكن بالرغم من ذلك، فقد يتم فقدان التوازن الصحي عند تكرار ذلك بشكل كبير.

في حين أن التناظر يشكل جزء مهم من أي حوارات ذات مغزى، إلا أن تحويل الانتباه إلى تجاربنا الخاصة في الحقيقة، أمر طبيعي تماماً. فالبشر المعاصرون يتقنون الحديث عن أنفسهم أكثر من أي موضوع آخر. وجدت إحدى الدراسات أن “معظم محتوى الحوارات الاجتماعية مكرس لعبارات عن التجارب العاطفية الخاصة بالمتحدث أو علاقاته، أو تجارب ومعلومات طرف ثالث غير حاضر”.

الإنسولا، هي منطقة من الدماغ في عمق القشرة المخية، تتلقى المعلومات التي يخبرنا الناس بها ثم تحاول العثور على تجربة ذات صلة في بنك ذاكرتنا بحيث تعطي سياقاً للمعلومات. إنها مفيدة في الغالب، فالدماغ يحاول إضفاء معنى على ما نسمع ونرى. وفي غياب الوعي، نجد تجارب مماثلة ونضيفها إلى ما يحدث في هذه اللحظة، ثم يتم إرسال الحزمة كاملة من المعلومات إلى المناطق الحوفية في الدماغ، وهي جزء من الدماغ الواقعة تحته. هذه هي المنطقة التي يمكن أن تنشأ فيها بعض المشاكل – بدلاً من مساعدتنا على فهم تجربة شخص آخر بشكل أفضل، تجاربنا الخاصة يمكن أن تشوه نظرتنا حول ما يخبره الشخص الآخر أو يعانيه.

“كلما كنت مرتاحاً أكثر، كلما كان من الصعب عليك التعاطف مع معاناة شخص آخر.”

تشير دراسة من معهد ماكس بلانك للعلوم المعرفية البشرية والدماغ أن الأنا (الغرور الذاتي) تشوه تصورنا للتعاطف. عندما شاهد المشاركون شريط فيديو لديدان جالسه في مجموعة، أمكنهم الفهم أن غيرهم قد يكون متقززاً منها. ولكن عندما تم عرض صور جراء لأحد الأشخاص في حين أن الآخرين عُرض عليهم فيديو الديدان، المشاهد للجراء عموما قد قلل من تقدير رد الفعل السلبي للمجموعة الأخرى التي قامت بمشاهدة الديدان.

وقد لاحظت الدكتورة تانيا سينغر: “إن المشاركين الذين كانوا في حالة نفسية جيدة قد قيموا تجارب زملائهم السلبية على أنها أقل حدة مما كانت عليه في الواقع. في المقابل، فإن أولئك الذين للتو حظوا بتجربة غير سارة قيموا تجارب شركاءهم الجيدة بشكل أقل إيجابية “. بعبارة أخرى، نحن نميل إلى استخدام مشاعرنا الخاصة لتحديد كيف يشعر الآخرون.

إليك كيف يظهر ذلك في المحادثات اليومية: لنفترض أنه تم تسريحك أنت وأحد الأصدقاء في نفس الوقت من قبل نفس الشركة. في هذه الحالة، قد يكون استخدام مشاعرك كمقياس لمشاعر صديقك دقيقاً إلى حد ما لأنك تواجه نفس الحدث. ولكن ماذا لو كنت تواجه يوماً عظيماً ثم قابلت الصديق الذي تم تسريحه للتو؟ دون وعي بذلك، قد تحكم على الكيفية التي يشعر بها صديقك اعتماداً على مزاجك الجيد حينها. سوف يقول: “هذا أمر فظيع. أنا قلق جداً لدرجة أنني أشعر بالمرض في معدتي”. سترد:” لا تقلق، ستكون بخير. لقد تم تسريحي قبل ست سنوات، والآن كل شيء على ما يرام “. فكلما ازداد ارتياحك، كان من الأصعب التعاطف مع معاناة الآخرين.

استغرق الأمر مني سنوات لأدرك أنني أفضل بكثير في لعبة التقاط الكرة من نظيرتها في الحوار. الآن أحاول أن أكون أكثر وعياً لغريزتي التي تحثني على مشاركة القصص والحديث عن نفسي. أحاول طرح أسئلة تشجع الشخص الآخر على الاستمرار. لقد بذلت أيضاً جهداً واعياً للاستماع أكثر والتحدث أقل.

في الآونة الأخيرة، كانت لي محادثة طويلة مع صديقة في فترة طلاقها. قضينا ما يقرب 40 دقيقة على الهاتف، بالكاد قلت كلمة واحدة. في نهاية المكالمة، قالت: “شكراً لك على نصيحتك. لقد ساعدتني حقاً في إدراك بعض الأشياء”.
الحقيقة هي أنني لم أقدم أي نصيحة. فمعظم ما قلته كان من قبيل: “هذا يبدو صعباً. أشعر بالأسف لما يحدث لك”. فلم تكن بحاجة إلى نصيحة أو قصص مني، أرادت فقط أذناً صاغية.

مقتبس من الكتاب الجديد “نحن بحاجة إلى الحديث: كيفية إجراء حوارات ذات معنى” بإذن المؤلفة: سيليست هيدلي.


 

ترجمة: فاطمة الكعبي

Twitter: @Fatimamk35

مراجعة: ياسمين المنيع

Twitter: @Y_Almaneea

المصدر:

“Ideas.Ted.Com: Why we should all stop saying “I know exactly how you feel