الحالة العصبية النادرة والمُساء فهمها ” الحس المواكب ” تلهم كلًا من الفنانين والعلماء

تاريخ النشر : 28/09/2018 التعليقات :0 الاعجابات :1 المشاهدات :390
المراجع عمر العماري

المترجم أسماء محمد

أحببت عملي مع نون العلمية كثيرًا فقد فتح آفاقًا و سدد جهودًا ، مرحبا بكل عشاق العلم و المعرفة ..أتمنى أن تجدوا المتعة و الفائدة فيما نقدم هنا =)

 

قد يبدو مستحيلاً رؤية الموسيقى، سماع الألوان، أو تذوق الكلمات. لكن ذلك ممكنًا لمجموعة من البشر.
وهو ما يدعى بـ “الحس المواكب” ، و هو حالة عصبية نادرة تحدث عندما يتم تحفيز حس معين، فينتج عنه تنشيط حس آخر أو أكثر أحيانًا قد تكون مشاعر، دون تعرضها لمحفز مباشر.
كاني ويست تعرف بأنها قادرة على مواكبة الحس، و الفنانة ميليسا مكراكن  التي لفتت الانتباه برسوماتها المستلهمة من الألوان التي تراها حين تسمع الموسيقى. وقد اتضح أن الفنانين هم المفتاح لمساعدة علماء الأعصاب على فهم الحالة.
مصطلح “الحس المركب” أو synesthesia بشكل فضفاض يعني اجتماع الحواس معًا، وأصل الكلمة قادم من كلمات إغريقية فـ syn تعني مزامنة و aesthesis تعني الحس.
يعتقد أن “الحس المواكب التطوري” الشكل الأكثر شيوعًا “للحس المواكب” ، ويوجد لدى ٤٪‏ من الناس.
و مع ذلك فإنه من الصعب دراسته أو الإشارة إلى الناس ذوو الحس المواكب لأن ذلك قد ينتهي بالآخرين إلى وصمهم بمتعاطي المخدرات أو منفصمي الشخصية، لذلك فهم عادة ما يخفون حالتهم تلك.

الرسامة كارول ستين قدمت أكثر وصف غني بالمعلومات للتصور الشائع الذي يلاحظه الرسامين ذوو الحس المواكب، والذي من خلاله وبشكل إجباري تتكون رؤيتهم، كما أنها أسست الرابطة الأمريكية للحس المواكب، وهي منظمة غير ربحية أنشئت لتقديم المعلومات لذوي الحس المواكب، ولعمل الأبحاث حول موضوع الحس المواكب.” الرسامين عادة ما يثبتون مهارات مميزة في ملاحظة الظواهر البصرية، و هذا مما يجعل وصفهم يحتل مصدرًا قيمًا للمعلومات بالنسبة لعلماء الأعصاب الذين يفحصون عمل البصر في الصحة والمرض ” هذا ما قاله كاتب مقالة نشرت في Current Opinion in Neurology كما أضاف ” وحسب فهمنا للحس المواكب، فإن مساهمات الرسامين ثمينة بشكل خاص”في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان هناك زيادة في الاهتمام بدراسة الحس المواكب، لكنها كانت في معظمها وصفية، حتى عادت للظهور في السبعينيات كمسألة نفسية.

ألف عالم النفس لاري ماركس في جامعة ييل والحاصل على الدكتوراه أول مراجعة نفسية رائدة للتاريخ القديم للبحث في مسألة الحس المواكب، و التي نشرت عام ١٩٧٥ في مجلة Psychological Bulletin

و في عام ١٩٨٧ وجد فريق بحثي بقيادة سيمون بارون كوهين الحاصل على درجة الدكتوراه أول دليل قوي أن تجارب ذوي الحس المواكب ظلت متسقة مع مرور الزمن ،وقد ثبت في أبحاث لاحقة أنها قابلة للقياس بشكل حسي في الدماغ.

باستخدام التصوير المقطعي بالإشعاع البوزيتروني (PET) والتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، وجد الباحثين لدى ذوي الحس المواكب الذين أخبروا عن تجربة السمع الملون لديهم، أن المنطقة المسؤولة عن البصر في الدماغ تظهر زيادة في النشاط عند سماعهم للأصوات، وهذا لا يحدث عند من ليس من ذوي الحس المواكب.

بالرغم من اتساع الأبحاث، إلا أن علماء الأعصاب وعلماء الإدراك لا يزالون يواجهون صعوبة في فهم الحس المواكب و ما يعرضه من آثار على فهمنا لكيفية بناء عقولنا لواقعنا.

يقول ماركس في مقالة له في الجمعية الأمريكية لعلم النفس ” الحس المواكب يصب في أبعاد كثيرة أكثر أُلفه لكثير من علماء أو أخصائيين النفس” ، و يضيف : ” أنها تخبرنا شيئًا عن التصور و عما يجعل الأشياء في تصورنا تشبه بعضها، الحس المواكب قد يساعدنا في فهم كيف يتكون مفهوم التشابه ضمن جهازنا العصبي”

ما أثبتته الأبحاث حتى الآن هو أن الحس المواكب التطويري قد يُمرر في العائلات، و قد توجد أشكال مختلفة من الحس المواكب في شخص واحد من نفس العائلة.

حتى الآن أكثر من ٦٠ نوع من الحس المواكب قد وُصفت، و لكن النوع الأكثر شيوعًا والذي وجد في ٦٤٪‏ من ذوي الحس المواكب هو ” التطابق الخطي اللوني”، حيث رؤية الشخص لرسم حرف ما تسبب له رؤية لون معين للحرف، فعلى سبيل المثال رؤية الشخص لرسم الحرف L تجعله يرى اللون الأصفر.

النوع الثاني الأكثر شيوعًا هو الحس المواكب ” تطابق المسمى الزمني اللوني” حيث كلمة الاثنين أو يناير قد تجعل الشخص يرى لون معينًا
و الشكل الثالث الأكثر شيوعًا التطابق الموسيقي اللوني، وهذا الشكل قد وصفته كاني ويست لـ إلين ديجينيرس ، وهو ذاته ما تعايشه ميليسا مكراكن.

و تقول مكراكن أنها حتى سن الـ ١٥ عندما سألت أخوها ماذا كان لون الحرف C ، لم تكن تدرك أنه ليس الجميع يرون الألوان في الكتب، في المعادلات الرياضية، والحفلات الموسيقية..

” كل حرف وكل رقم ملون وأيام السنة تحوط جسمي كما لو كان لهم نقاط محددة في الفضاء” هذا ما قالته في موقعها الإلكتروني، و أضافت “لكن الأكثر روعة في اختلال الوظيفة الدماغي هذا هو رؤية الموسيقى التي أسمعها، إنها تتدفق في خليط من الأشكال، الأنسجة، والحركات تتحول كأنما هي عنصر حي و ذوا مقاصد لكل أغنية”
و هي تقول الحس المواكب لا يشتت، بل أنه يضيف لمسة فريدة على مهنتها كفنانة، تبدع رسمًا تجريديًا مقترن بالموسيقى التي تسمعها وتلهمها للعمل.

من الشائع لدى الرسامين ذووا “الحس المواكب” العجلة في وضع الألوان الزيتية أو المائية غير المخلوطة، وذلك من أنبوبة الألوان مباشرة ، و ذلك طبقًا لما جاء في مقالة في المعتقدات الجارية في علم الأعصاب، لوصف تصور سطوع الألوان .
تقول ستين بالنسبة لأولئك الذين يملكون “الحس المواكب” فإن عالمهم الداخلي يختلف بشكل كبير عما يتصوره الآخرين، و لتمثيل تصورهم بأمانة وصدق فإن ذلك يتطلب قواعد طال إتباعها، وهي سمة مميزة للفن الحديث.
الفن قد يبدو أحيانًا مجردًا، على الرغم من أنه وصف واقعي لما يراه الفنان.
رسامين شهيرين لديهم “الحس المواكب” من ضمنهم واسيلي كاندينسكي و الذي ترك عمله في المحاماة ليدرس الرسم بعد أن عايش استجابة غير معتادة لأداء تشكيلة واغنر “لوهنغرين” في مسرح بولشوي.
فنانون آخرون كـ ديفيد هوكني و من الممكن أيضًا فان كوخ و غوغان.
و هناك تخصصات أخرى هي أيضًا تباهي بـ أصحاب “الحس المواكب”، كـ الموسيقي دوق إلينغتون ، و الفيزيائي ريتشارد فاينمان و المخترع نيكولا تيسلا.

هناك المزيد من الأبحاث الحديثة التي تقترح أننا ربما نكون قد ولدنا جميعًا “بحس مواكب” كأطفال صغار
لديهم فصل أقل بين الحواس.

و كلما نضجنا، فإن الحواس تنفصل عن بعضها البعض في عملية تسمى “التشذيب” ، و التي تعمل فيها أدمغتنا على تخصيص مناطق لمهام أو عملية معينة.
هؤلاء الفنانين الذين مازالت الأبحاث تفكك علاقة الدجاجة والبيضة بين الفن و “الحس المواكب”، و يقترحون أنها قد تكون لدى الناس الذين خلال تطورهم لم تتكون الفواصل بين حواسهم بشكل واضح .

و بينما الأبحاث مستمرة، نجد أن “الحس المواكب يلهم كلًا من الفنانين والعلماء”

 

 

ترجمة: أسماء القحطاني
Twitter: @01sma01

مراجعة: عمر العماري
Twitter: @omar_br1

 

المصدر:

CRIXEO


شاركنا رأيك طباعة