هل تعتبر الآلام العاطفية آلامًا حقيقية؟

تاريخ النشر : 15/08/2017 التعليقات :0 الاعجابات :1 المشاهدات :1089
المراجع في محمد

تشير إحدى الدراسات إلى أن الصدمات العاطفية وتأذية المشاعر تنشط نفس مناطق الألم الموجودة في الدماغ التي تفعلها حالات الألم الجسدي ، هل تعرضنا للمشاعر السلبية من قبل ردود الأفعال تضرنا جسميًا؟ هل القلب المكسور في الواقع يشعر بذلك الكسر؟  وهل التصرفات التي تجرح مشاعرنا تُحدث ألمًا حقيقيًا؟ أو أن الألم النفسي  لا يعدو أن يكون إلا تشبيه مجازيًا للألم أو مجرد استعاره للألم الجسدي؟ هل استخدامنا تعبير” الألم” لوصف شعورنا عندما نتألم نفسيًا ماهو إلا مصادفة لغوية؟

توصل العلماء بفضل التكنلوجيا الحديثة على أجوبة لهذه التساؤلات والتي لم تعد محكورة للفلاسفة والشعراء ليستمتعوا بها.

جميعنا نعلم أن مظاهر العزلة والنبذ قد تؤلم أدمغتنا الاجتماعية في الواقع قد نشعر “بالألم ” عند هتك أي قيمة من قيمنا الاجتماعية.

 

 

كشفت Naomi Eisenberger من جامعة كالفورنيا (لوس أنجلوس), عن تشابك الدارات العصبية للآلام العاطفية والجسدية.  أظهرت نتائج مختبرها هذا التشابك باستخدام عدد من المنهجيات: المنهج السلوكي والجيني والتصوير  العصبي والتي جميعها توصلت لنفس النتيجة.

يمكن وصف تجربة الألم الجسدي بعنصرين: أولاً المركز الحسي (الشعور) على سبيل المثال:” تعرضك لألم ناتج من تقلصات الجزء الأسفل للساق اليمنى والذي يستمر لبضع دقائق” . إذاَ, يشمل العنصر الأول العوامل التالية: الموقع, المدة ومستوى حدة الألم.  العنصر الثاني يحرك العاطفة: أي الجانب العاطفي للألم. فإحساسنا بالألم ليس بشعور مستحسن. يثير الألم عواطفنا والتي تعكس مانحس به بداخلنا, مثل: الحزن, الغضب أو الخوف. ليس من المستغرب أن يصاب المريض الذي يعاني من أمراض مزمنة بحالات من الاكتئاب أو القلق قد تتسبب هذه المضاعفات الثانوية بتكثيف وإطالة الألم الجسدي. لكن للاكتئاب أيضاً آلامه الخاصة به. وبعبارة أخرى الاكتئاب مؤلم حتى في غياب ظهور أي ألم جسدي واضح, فقد ارتبط بأعراض الآلام الجسدية مثل الألم الجسدي العام.

 

الطريقة الوحيدة لإثبات تشابه الألم العاطفي والجسدي هو من خلال النظر في التنشيط المشترك لمناطق الألم في الدماغ للألم العاطفي والجسدي. ما يثير اهتمامنا هنا هو العنصر الثاني أي الجانب العاطفي للألم. أظهرت العديد من دراسات الـ(FRMI*) أن المشاعر الحزينة المؤلمة المصاحبة للألم الجسدي التي تتم معالجتها في القشرة الحزامية الأمامية الظهرية (dACC) والفص الجبهي (AI).

والسؤال المهم في هذا الموضوع : هل الألم النفسي/الاجتماعي أو العاطفي يفعل نفس هذه المناطق, منطقتا dACC و AI؟ هذا هو بالضبط ماأظهرته نتائج مختبر Eisenberger, من خلال سلسلة من الدراسات المعنية قام الباحثون بتحفيز الألم العاطفي لدى المشاركين في التجربة بدفعهم للعب لعبة إلكترونية “Cyberball” أثناء فحصهم في عملية المسح بالرنين المغناطيسي الوظيفي.

تتطلب اللعبة قذف كرة افتراضية على اللاعبين الآخرين  المشاركين باللعبة. ويتم دمج وإشراك المشاركين أحياناً ويتم استبعادهم في أثناء أخرى – وهذا ما يشابه شعور النبذ من المجتمع أو التعرض للرفض الاجتماعي.

في الواقع, استبعاد المشاركين من اللعبة قد يزيد من نشاط منطقتي dAcc و AI, نفس المناطق المرتبطة بالألم الجسدي.  أظهرت دراسات أخرى أجريت في مختبرات مختلفة نتيجة مماثلة لهذه الدراسة. عرف الباحثون بشعور المشاركين في التجربة- شعورهم بالنبذ عند عدم إشراكهم باللعبة منخلال سؤالهم مباشرة عن شعورهم.

وكل مازاد شعورهم بالنبذ (على سبيل المثال: الشعور بالتفاهة والفراغ) ازداد نشاط المناطق المرتبطة بالجانب العاطفي للألم. أُثبتت في الدراسات اللاحقة هذه العلاقة الطردية بين النشاط الأكبر في منطقتي dACC و AI وبين الضيق /الألم الاجتماعي الذي يعبر عنه المشارك استجابة للنبذ والاستبعاد الاجتماعي.

 

 

هل يتألم الناس بشكل مختلف عند تعرضهم لضيق عاطفي أو نفسي؟ هل للبعض حساسية مفرطة مقارنة بالآخرين؟

بالطبع يختلف الناس من هذه الناحية,حيث ازدياد الدعم العاطفي للشخص المعرض لحدث مؤلم اجتماعياً يقلل من نشاط المناطق الدماغية المرتبطة بالألم .

أظهرت دراسة أخرى زيادة حساسية وتفاعل منطقتي dACC و AI مع الضيق الاجتماعي عند الأشخاص الذين يهدفون “للقبول الاجتماعي” والتوق لتحقيق رضا الآخرين, والذين يتصيدون أي إشارات وعلامات محتملة للنبذ والرفض الاجتماعي من الآخرين(يعرف أيضاً بنمط التعلق القلق/ المضطرب).

وهنالك أيضاَ الفروقات الفردية والتي تنبع من الاختلافات الجينية في معالجة وتقبل الألم الجسدي.

على سبيل المثال, ترتبط عديد من  الأشكال في مستقبلات الأفيونات بدرجة الحساسية تجاه الألم الجسدي.حيث الأفراد الحاملين (لجين G الأليل أو الحليل )النادر يكونون حساسين بشكل أكبر تجاه الألم الجسدي ويحتاجون المزيد من العلاجات للتعامل مع الألم.

 

هل الأفراد الحاملين لجين الأليل يكونون حساسين أيضاَ تجاه الألم النفسي والعاطفي ؟

هذا بالضبط ماوجدته الدراسة, ارتفعت درجة حساسية المشاركين الحاملين لجينG الأليل للنبذ عند استبعادهم من اللعبة  وأظهرت أدمغتهم نشاطاَ أكبر في منطقتي dACC و AI مقارنة بالأشخاص الذين لا يحملون جين Gالأليل.

 

 

نعم, يعد الألم النفسي والعاطفي ألمًا حقيقيًا!

هذا يفسر توجه الناس للتداوي بالكحول والوصفات الطبية والمخدرات غير المشروعة أو حتى الخوض بعلاقات خطرة وغير مناسبة لهم عند شعورهم بالضيق العاطفي/النفسي.

في الواقع, وجدت دراسة أن الأشخاص الذين تناولوا دواء تايلينول  المسكن للآلام على مدى ثلاثة أسابيع أفادوا  بأنهم يشعرون بضرر نفسي أقل مقارنة بالأشخاص الذين تناولوا الدواء الوهمي –بلاسيبو-.

وبالإضافة , أظهرت نتائج المسح بالرنين المغناطيسي الوظيفي للمشاركين الذين تناولوا دواء تايلينول  نشاطاَ أقل في منطقتي dAcc و AI عند شعور المشاركين بالرفض الاجتماعي وذلك مقارنة بالأشخاص الذين تناولوا الدواء الوهمي.

ينجم عن تشابك الدارات العصبية للآلام العاطفية والجسدية العديد من الآثار في مجال التعليم, العمل والعلاقات. عند تعرض الأطفال للرفض الاجتماعي أو التنمر والاستبعاد من الآخرين فإنهم يتألمون بالفعل. نتألم أيضاَ عند تجاهلنا من قبل أحد زملاء العمل واستبعادنا من دعوات الغداء. نتألم كذلك عند تلقي تقييم سيء في العمل أو في المدرسة أو تلقي ردود فعل سلبية من والدينا. قد تكون ردة فعل بعض الأطفال “عدوانية” وذلك لمواجهة الرفض الاجتماعي بردة فعل طبيعية لحماية أنفسهم ضد المُهاجم(سلوك عدواني-ضد المهاجم).

وبالطبع, قد تتعمق الحالة العدوانية للطفل وتنتقل للداخل وتتحول لمرض عقلي. قد تستبعد بعض الأقليات من المجتمع الرئيسي ويتألمون لشعورهم بقلة أهميتهم وقد يعاني البعض الآخر ويتألمون لانتمائهم لطبقة اجتماعية اقتصادية منخفضة أو فقيرة.

 

 

 

هوامش:

* Functional magnetic resonance imaging) FRMI): التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي: هو نوع من التصوير بالرنين المغناطيسي المتخصص المستخدم لقياس استجابة الدورة الدموية(التغير في تدفق الدم) المتصلة بالنشاط العصبي في الدماغ أو النخاع الشوكي من البشر أو الحيوانات الأخرى.

*  Dorsal anterior cingulate cortex) dACC): القشرة الحزاميةالأماميةالظهرية (dACC) منطقه في الدماغ تخدم الادراك وتتحكم في الحركه.

 

 

 

 

ترجمة: ريوف المطوع

مراجعة: فيّ محمد

 

 

المصدر:

Psychology Today

 


شاركنا رأيك طباعة