الاكتظاظ السكاني، تحدٍ ثقافي

تاريخ النشر : 08/08/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :790

أن نعلم الأجيال القادمة كيف يتجنبون الخطأ الفادح الذي ارتكبناه بالإنجاب العشوائي لهو تحدٍ ثقافي وتعليمي. ربما الحل هو أن نخبر أطفالنا بالحقيقة.

النقاش ذو قطبين

النقاش بين من يرون أن البشر هم السبب الأساسي في مشاكلنا، بدءًا من الاحتباس الحراري حتى الدمار البيئي، وفي المقابل هناك من يعتقدون أن عدد البشر لا يشكل أية مشكلة. إنكار الاكتظاظ السكاني يتجذر في الخوف من أن تسحق حقوق الإنسان من قبل الطبقة العليا المتحكمة كما ستلهينا عن التركيز على العدالة الاجتماعية والمشاكل الاقتصادية.

هذا التقطب يحول دون تقدير كلا الطرفين لرأي الآخر. ربما يجدر بنا تخطي المالتوسيون ومأزق حقوق الإنسان لإيجاد حل فعال وشامل.

لقد أصبح اختبارًا للقيم. هل تقدِّر حياة المخلوقات الأخرى أم الإنسان أكثر؟ إذا كنت إنسانيًا، أيهما يهمك أكثر حقك في الإنجاب أم كيف ستكون حياة أطفالك وأطفال الآخرين؟

أكثر مشاكلنا إلحاحًا

الأكيد أن أكثر من يستشعر مشكلة الاكتظاظ السكاني ويتأثر بها مباشرة هم سكان العالم الثالث. لكنني مازلت أتعجب ممن هم من سكان العالم الأول ولم يستوعبوا حتى الآن أن أميركا، على سبيل المثال تعاني هي الأخرى من نفس المشكلة حتى وهم عالقون في زحام مروري ومحاطون بالناس على مد البصر.

قضيتك غير مهمة، فهي قضية بلا جدوى مالم يحل الاكتظاظ السكاني. لن نتمكن من حل أكثر مشاكلنا إلحاحاً على مر السنين مالم يقل عدد السكان. الاكتظاظ السكاني هو المحرك والسبب الرئيسي وراء مشاكل لا تعد، فعلى سبيل المثال لا الحصر، الاحتباس الحراري، التلوث، نضوب النفط، الظلم الاجتماعي والفقر، الجرائم، الحروب الجشعة، انهيار التنوع البيولوجي، إزالة الغابات، والجفاف. نحن نعيش في نظام بيئي مغلق، كرة من الغبار تدور في الفضاء، وكل هذه المشاكل تعود لعدد الناس الذين يستهلكون موارد محدودة ويرمون مخلفاتها.

نعم، الأزمة الاقتصادية هي إحدى التبعات المباشرة. وعلى كلٍ، أي مشكلة نعاني منها فهي في النهاية تعود لعددنا. لو لم نكن بهذا العدد الذي نحن عليه اليوم وبنينا مجتمع مستقر أصغر بكثير، لكان هناك وفرة من الموارد حولنا. لكان كوكبنا هو شبكتنا الآمنة، لكن كما هو الحال مع كل مشاكلنا، عددنا الحالي وعقلياتنا بددت موروثنا الطبيعي.

خلفية الاجتياز

لقد تخطينا الطاقة الاستيعابية لكوكبنا. الطاقة الاستيعابية هي عدد السكان التي يمكن لمنطقة معينة تحملها للأبد. إذا اجتاز عدد سكان منطقة ما هذا المقدار فسيستمرون بالنمو حتى تنهار في النهاية إلى أقل حتى من طاقتها الاستيعابية الأصلية. مرحلة الانهيار ستكون قبل وقتها الأصلي لأن الاجتياز السكاني قد قلل -بشكل ملحوظ- الموارد البيئية وقابليتها للتجدد بدَيْن بيئي. تخيل كم كان من الممكن أن تتحمل الأمريكيتان من البشر في ١٤٩٢ مقارنةً باليوم. الاجتياز قلص الطاقة الاستيعابية للأرض عن طريق انهيار التنوع البيئي، إزالة الغابات، خسارة الأرض الزراعية، التلوث والاحتباس الحراري والتي سببها الاكتظاظ السكاني.

الاكتظاظ السكاني، مشكلة ثقافية

جزء مني يفكر، يجب أن يجتمع كل من استشعر عِظم المشكلة في منطقة ليكوّنوا بذرة لثقافات جديدة تحرر الطبيعة من عبوديتها بتقليل أعدادنا واستهلاكنا.

ستارشوك في روايته the fifth sacred thing طرح سؤالاً; “ماذا بعد؟”. في عالم ما بعد القيامة، شمال كاليفورنيا اختارت أن تعيش على مواردها على عكس جنوب كاليفورنيا، فقررت أن تغزو الشمال لتستغل مواردها.

المعضلة تكمن في أنه ما دامت ثقافتنا السائدة تطمح للنمو، ونحن نعيش بفكرة “العالم مُلك الإنسان”، ستظل ثقافتنا تعرقل كل جهد لعكس مسيرنا الحثيث باتجاه الانهيار الكامل.

ثقافتنا تتعمد الإنكار منذ القِدم. ثقافتنا المحتلة انتشرت من الهلال الخصيب حتى مرَّت بكل التاركين الأصليين. في الولايات المتحدة نحن نعلم أطفالنا عن مهاجري ثقافتنا، مستعمريها ومصيرنا الواضح عِوضًا عن إخبارهم حقيقة سرقة الأرض والإبادة الجماعية للسكان الأصليين، جريمة على وزن محرقة اليهود. أين النُّصب التذكارية للإبادة الجماعية للأمريكان الأصليين؟ لماذا لا نقدم مليار دولار كل سنة للأمريكان الأصليين كمساعدة للجيش بدلاً من إسرائيل؟ الأمريكان الأصليين لديهم الكثير ليعلمونا إياه.

بصيغة أخرى، لن يقل عدد السكان لمستوً معقول بأسلوب حياة المحتلين. إذا كان هناك مستقبل للبشر بأعداد مقبولة حيث يمكن استرجاع التنوع البيئي، فسيكون عن طريق ثقافات جديدة أو ثقافات أخرى غير ثقافتنا.

لإنهاء الجدال وفقدان ذاكرة الأجيال البيئية

إذا لم نقلل أعدادنا بأنفسنا، فستتولى الطبيعة هذه المهمة بدلًا منا. “الضربة الأخيرة دائماً للطبيعة”، مقولة بدأت تظهر على أرض الواقع. إما أن نتذكر النماذج الثقافية الناجحة والمكتفية ذاتياَ من البشر الأوائل والذين محوناهم تقريبًا، وإلا فلتلقِّنا الطبيعة درسًا يوقظنا من غفلتنا هذه كما حدث مع سكان جزيرة القيامة.

الخطوة الأولى لإيقاظ أغلب الناس هي بمساعدتهم على إدراك ما استحالت إليه علاقات البشر بسبب ثقافتنا في السنوات العشرة الأخيرة. وهذا يتطلب رسالة تعليمية جديدة لشبابنا لنتغلب على الغياب العاطفي للأثر المترتب على عددنا. إنه لأشبه بتحدٍ تعليمي أو ثقافي أن نعلم الجيل القادم بطريقة ما كي لا يقعوا في نفس الخطأ الفادح الذي وقعنا به “نمو لا نهائي”. ربما يبدأ الحل بأن نخبر أطفالنا بالحقيقة.

فقدان الذاكرة البيئي هو أحد أهم الأسباب لعدم إدراك أغلب الناس تأثير الاكتظاظ السكاني. نحن نتذكر عدد السكان والبيئة في وقتنا الحاضر فقط, ولكن لا نعلم كيف كان العالم في عهد أجدادنا الأوائل، وأحد الأسباب يكمن في تجاهلنا لهذه العهود، عهود ما قبل التطور. وبما أننا لم نعش في الماضي، فإننا لا نشتكي من وضعنا الحالي. تخيل كيف سيكون شعورك تجاه الانفجار السكاني لو كنت من سكان أمريكا الأصليين ممن عاشوا في عام ١٤٩١.

إليكم بعض الأفكار المثيرة للجدل والإبداعية في ذات الوقت لمحاولة توحيد الآراء لتقليل عدد السكان قبل أن تتولى الطبيعة هذه المهمة عنَّا. بعضها واقعية في وقتنا الحاضر، والبعض الآخر يهدف لتوسيع الآفاق ومناقشة المشكلة.

تحدث عن الاكتظاظ السكاني

ابدأ بالتحدث عن الاكتظاظ السكاني. ابحث عن طرق إيجابية لتشجيع الأسر الصغيرة، اقترح على أصدقائك وعائلتك بعض طرق موانع الحمل الدائمة حالما ينجبون طفلهم الأول، كما يمكنك إبداء اعتراضك بلباقة على كثرة الإنجاب. لست متأكدًا من فعالية النقطة الأخيرة، لكن يمكن التفكير بها.

إنه لمن الصعب التحدث في هذا الموضوع حيث أن ثقافتنا تمجِّد الأمهات وتحثنا منذ الولادة على التكاثر، “الإنسان مُتسيد على الأرض، كُن مثمراً وتكاثر. الاقتصاد بحاجة لِأن ينمو، الاقتصاد المتقلص مشكلة كبيرة”. قصة ثقافتنا المحتلة هذه قَصَّتها علينا وسائل الإعلام، التعليم، عاداتنا الاجتماعية، تقاليدنا، القصص والأديان.

ثقافتنا مصرة على إنماء عدد السكان والاقتصاد. في الحقيقة، اقتصادنا الحالي بحاجة للنمو لتعويض فوائد ديْننا المتراكم. نهاية النمو الاقتصادي الذي تسبب به انهيار النفط ساهم جزئيًا في حدوث الأزمة الاقتصادية اليوم وعقًّدها. نحن على شفير الإفلاس حيث لا يمكننا النمو.

في الوافع، النمو آخر ما نحتاج; لا يمكن أن نُوفِّي احتياجاتنا بالنمو وتدمير الكوكب.

مجلس الشورى لكل الكائنات

لو أننا استشرنا كل الكائنات الحية بالتساوي عند اتخاذ كل قرار جماعي، لكنا نعيش في عالم أفضل بكثير مما هو عليه الآن; تنوع ثقافي واجتماعي واسع. جوانا ماكي في عام ١٩٨٥ صاغت الفكرة كطقس اشتراكي حيث يتحدث كل مشارك بالنيابة عن أحد أشكال الحياة. تهدف الفكرة لرفع الوعي بالترابط المعيشي الذي يجمعنا على سطح الأرض، ولتقوية التزامنا بالدفاع عنها. تساعدنا هذه الطقوس على إدراك وإشراك صوت المعاناة في عالمنا.

الاهتمام بالبيئة ليس كافيًا

فلنفترض أننا قللنا الاستهلاك لدعم تسعة ملايين، سواء بقصد أو بسبب انهيار النفط، لا زلنا نعاني من اكتظاظ سكاني. كما قلت في مقابلتي مع New Dimension Media، الاهتمام بالبيئة لا يكفي. كل تقدم نحرزه سيُبدده زيادة عدد السكان. إعادة تدوير وتركيب مصابيح الفلورسنت المدمجة يسمح بزيادة أكبر لعدد السكان بالتالي مشكلة أكبر.

ضريبة السكان

إذا كنت تريد أن تلعب، ربما يجدر بك أن تصلي. بداية تحصيل الضرائب على العائلات الكبيرة. إيقاف المساعدات المادية للوالدين، بل يجدر عكسها. أنا لا أقول بأنه لا يمكنك إنجاب العدد الذي تريده من الأبناء، كل ما هنالك هو أن عليك أن تدفع ثمن مسؤولياتك. كلما كثر الأطفال كثرت المدارس، بنيات تحتية، رعاية صحية، خدمات عامة وما إلى ذلك. طفل واحد بإمكانه الدراسة في المدارس العامة مجاناً، أما الباقين فيجب أن تتحمل التكاليف الحقيقية لدراسة كل منهم. فليبدأ هذا النظام مع كل طفل يولد بعد سنة من الآن.

أنهِ سباق الغذاء

منذ قامت الثورة الزراعية، مجتمعنا بدأ سباقًا مع الغذاء، يتزايد عدد السكان، فنزرع أكثر، فتتكاثر الأعداد وهكذا. يبدو سباقًا لا نهائيًا وهو ما أوصلنا لما نحن عليه الآن. ربما هذا هو الوقت المناسب لتقليل إنتاج الغذاء. البعض قال، إذا حصلت مجاعة، أرسل موانع الحمل بدلاً من الطعام. وأنا أقول، أرسلوا موانع الحمل وثقفوا النساء قبل المجاعة لنحميهم منها بالأساس.

قلل من تصدير الغذاء واستقبال المهاجرين. متى ما عشنا ضمن الطاقة الاستيعابية لمنطقتنا، سنحد من عدد السكان. الهجرة موضوع ساخن جدًا ومثير للجدل. صديقي المقرب من أشد المؤيدين للهجرة ليدعم مخبزه. لكن تحديد عدد السكان في منطقة معينة كان من أهم طرق السكان الأصليين “التاركين” للعيش في بيئة مستقرة لملايين السنين. كما أنك لو لم تكن قادرًا على الترحال حسب توفر مصادر الحياة، عندها ستكون مجبرًا على أن تُكوِّن عائلة صغيرة وتعيش حياةً أبسط.

هذه فعلاً معضلة تحتاج المزيد من النقاش. كل المهاجرين هنا في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أصبحوا جزءًا من المجتمع. ربما يجب أن يتوقف الأمر إلى هذا الحد، ثم نبدأ بالتحرك.

إبطال التمدد

يجب على المجتمعات أن توقف التمدد في المناطق الغير مأهولة أو أن تُقر ضرائب عالية على البناء فيها وأن يقتصر البناء على تعويض المباني الموجودة في المناطق المأهولة أصلاً. أو تحويل التوجه التطويري لجعل المدن قابلة للمشي أكثر. ما الفائدة من النقاش حول “الأمن الغذائي” إذا كان عدد السكان في ازدياد حتى بعد تجاوز الطاقة الاستيعابية للمنطقة؟ بعبارة أخرى، إذا كنت لا تستطيع توفير الطعام للسكان الحاليين، لمَ تبنِ بيوتًا أكثر وبنية تحتية لأناس أكثر؟

حسابياً

إن عائلة من ٥ أطفال في ٤ أجيال فقط ستصبح مكونة من ٦٢٥ شخص، مقارنة بثمانية أشخاص فقط بما في ذلك الأجداد في حال كان الزوجين قد أنجبا طفلين فقط وهم في أواخر الثلاثينيات. العائلات الكبيرة ستستهلك معظم مصادر العيْش مما سيؤثر على العائلات الأصغر. علاوةً على ذلك، إذا كانت كل العوائل مكونة من طفل واحد فقط، عدد سكان العالم البالغ ٦.٨ مليار سينحدر إلى مليار واحد فقط في ١٥٠ سنة.

انهيار النفط وعدد السكان

هنا بعض الأرقام الأكثر صدمة. قبل أن نبدأ باستعمال النفط في ١٨٥٠ تقريبًا، كان هنالك مليار إنسان فقط على وجه الأرض. اليوم مع استهلاك نصف النفط سهل الاستعادة يوجد حوالي ٦.٧ مليار إنسان. في السنوات القليلة القادمة، انهيار النفط سيذهب بالطاقة الاستيعابية لـ٥.٧ مليار من سكان العالم اليوم.

أكاذيب الرجل الأحفوري ستكون قد انقرضت مع نهاية هذا القرن. عندما ينضب النفط، فعلى الأرجح أنه سينحدر عدد سكان العالم إلى أقل من مليار كما كان، لأن تجاوزنا للأعداد المعقولة قللت من الطاقة الاستيعابية للأرض وقدرتها على التجدد مقارنة بما كان عليه الحال قبل أن يتوسع الأوروبيون إلى الأمريكيتين.

الأمر السار هو أن المشكلة ليست في الإنسانية، بل في ثقافتنا المحتلة. عاش الإنسان على هذا الكوكب لثلاثة ملايين سنة في تناغم وانسجام مع النظام البيئي والحياة. المشكلة هي ما أنتجته ثقافتنا من ثورة زراعية. المرحلة القادمة ستكون على أيدي الثقافات الجديدة التي تولد اليوم.

مهمتنا حسب ما أرى، أن نخبر أطفالنا الحقيقة ونعطيهم مطلق الحرية باتخاذ القرار والتحكم بمستقبلهم. يجب أن نخبرهم بالحقيقة التي لم يخبرنا بها آباءنا، أن عددنا لا يهدد فقط حياة المخلوقات الأخرى بل حياتنا نحن أيضاً.

ترجمة: بلقيس الصالح

تويتر: @balqees_a_

مراجعة: فاطمة فودة

المصدر:

Culture Change


شاركنا رأيك طباعة