سديم أوريون

تاريخ النشر : 20/06/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :168

مثلما  قاتلت العوائل المالكة في حرب الوردتين في القرن الخامس عشر ميلادي للسيطرة على عرش إنجلترا، مجموعة من النجوم شنت مناوشات مثيرة للجدل ــــــــ حرب نجوم بعيدة جداً في سديم أوريون.


تعاركت النجوم مع بعضها البعض في صراع الجاذبية الذي انتهى مع كسر للنظام وبطرد ثلاث نجوم على الأقل في اتجاهات مختلفة. النجوم السريعة والضارية اختفت عن الملاحظة لمئات السنين حتى تم رصد اثنين منهم بواسطة الأشعة تحت الحمراء وموجات الراديو خلال العقود القليلة الماضية، والتي من الممكن أن تخترق حاجز الغبار السميك في سديم أوريون.
أظهرت الملاحظات أن النجمين كانا يسيران بسرعات عالية جدا في اتجاهين متضادين. غير أن أصل مركز النجوم كان لغزا . استطاع علماء الفلك تتبع كلا النجمين إلى 540 سنة ماضية إلى نفس الموقع واقترحوا رأياً: بأن النجمين كانا جزءًا من نظام نجمي منحلّ. لكن، طاقة الاثنين مجتمعة، التي تدفعها إلى الخارج لم تزد. وتوصل الباحثون إلى أنه كان هناك على الأقل مسبب واحد كان قد سرق من طاقة انطلاقهما المتساو.


وقد  ساعد تلسكوب هابل الفضائي التابع لوكالة ناسا  الفلكيين على العثور على الوصلة النهائية من اللغز عن طريق الإمساك بالنجم الثالث الهارب. تتبع علماء الفلك مسار النجم المرصود مؤخراً  إلى نفس المركز الذي تتبعوا النجمان السابقان إليه 540 سنة ماضية. يقيم ثلاثي النجوم هذا في منطقة صغيرة من النجوم الشابة تسمى سديم كلينمان المنخفض بالقرب من مركز مجمع سديم أوريون المشهور الواقع على بعد 1300 سنة ضوئية.


وقال الممثل الرئيسي للباحثين كيفن لومان من جامعة ولاية بنسلفينيا  في جامعة بارك من نفس الولاية:”إن ملاحظات تلسكوب هابل الجديدة تعطي دليلا قويا على أن النجوم الثلاثة انطلقت من نظام مجموعة نجمية”، “وقد وجد الفلكيون في السابق بعض الأمثلة الأخرى من النجوم سريعة الحركة التي تم تتبعها إلى أنظمة مجموعة نجمية، وبالتالي من الممكن أنه تم طردهم. لكن هذه النجوم الثلاثة كانت النجوم الأصغر عمرا  كشواهد على النجوم التي تم طردها من نظام نجمي. من الممكن أن يكون عمر هذه النجوم مجرد بضع مئات الآلاف من السنين. في الواقع، استنادا على صور الأشعة تحت الحمراء الملتقطة، لا يزال عمر النجوم هذه صغير بما فيه الكفاية ليكون لديها أقراص بقايا مواد من تكونها .


هذه النجوم الثلاثة تتحرك بسرعة كبيرة جداً في طريقها للخروج من سديم كلينمان المنخفض، في سرعة تصل إلى ما يقارب 30 أضعاف سرعة معظم نجموم السديم. استناداً  إلى عمليات محاكاة بواسطة الحاسوب، توقع علماء الفلك أن مقابس حرب الجاذبية هذه من المفترض أن تحدث في تجمعات النجوم الشابة حيث تزدحم النجوم الوليدة معاً. وقال لومان أيضا:”لكننا لم نلاحظ أمثلة عديدة، خصوصا في التجمعات الشابة”، “سديم أوريون من الممكن أن يكون محاطاً بنجوم وليدة إضافية كانت قد طردت من السديم في الماضي ولا تزال تجري بعيدا في الفضاء.”


تعثر لومان  بالنجم السريع الثالث المطلق عليه اسم “المصدر اكس” بينما كان يبحث عن كواكب عائمة في سديم أوريون  كعضو في فريق دولي يقوده ماسيمو روبيرتو من معهد علوم منظار الفضاء في بالتيمور بولاية ماريلاند. استخدم الفريق الأشعة تحت الحمراء المقربة للكاميرا الميدانية الواسعة من منظار هابل لإجراء المسح الضوئي. وخلال التحليلات، قام لومان بمقارنة التقاطات الأشعة الحمراء الحديثة المتلقطة في 2015م مع أرصاد الأشعة تحت الحمراء الملتقطة في عام 1998 بكاميرا الأشعة تحت الحمراء المقربة و مطياف الأجسام المتعددة (نيكموس). قد لاحظ أن “المصدر اكس-النجم الثالث” قد غير مكانه بشكل ملاحظ، مقارنةً بأمكنة النجوم القريبة على مدى 17 عاماً بين التقاطات منظار هابل، مشيراً  إلى أن النجم يسير بسرعة عالية بمقدار حوالي 130 ألف ميل في الساعة.


ثم نظر الفلكي إلى المواقع السابقة لذات النجم، عارضاً مساره في وقت سابق. أدرك لومان بهذا  أن النجم “المصدر اكس” في سبعينات القرن الخامس عشر قد كان بقرب المكان الأولي نفسه في سديم كلينمان المنخفض مثلما كان نجمان آخران المطلق عليهما اسم “بيكلين نيوجيباور (بن)” و “المصدر الأول”.


النجم بيكلين تم اكتشافه بواسطة صور الأشعة تحت الحمراء في عام 1967، لكن حركته السريعة لم يتم اكتشافها حتى عام 1995 عندما رصدت موجات الراديو سرعة النجم بما يقارب 60 ألف ميل في الساعة. أما نجم “المصدر الأول” يسافر بسرعة تقارب 22 ألف ميل في الساعة. ولم يتم اكتشاف النجم الأخير إلا من خلال عمليات رصد موجات الراديو، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه مستور بكومة غبار كثيفة جدا مرئية والأشعة الحمراء بذلك ممتنعة إلى حد كبير.


وقال لومان بأن النجوم الثلاثة كانوا  قد طردوا على الأرجح من مكانهم الأصلي عندما كانوا مشاركين في لعبة بلياردو الجاذبية. والذي يحدث في كثير من الأحيان عندما ينهار نظام متعدد النجوم هو أن اثنان من النجوم الأعضاء يقتربان من بعضهما بقدر كافٍ بحيث يندمجان أو يشكلان ثنائي محكم. في أي الحالتين، يصدر الحدث طاقة جاذبية كافية لدفع جميع النجوم إلى خارج النظام. الحلقة الناشطة هذه كذلك تنتج تدفقا هائلا من المادة وهو ما ينظر إليه في التقاطات (نيكموس) كأصابع من المادة تتدفق بعيدا عن مكان نجمة “المصدر الأول”.


المناظير المستقبلية كمنظار جيمس ويب الفضائي، سوف تكون قادرة على مراقبة رقعة كبيرة من سديم أوريون. من خلال مقارنة صور السديم الملتقطة بواسطة منظار ويب مع تلك التي كانت بمنظار هابل في السنوات السابقة، يتمنى الفلكيون أن يتعرفوا  على المزيد من النجوم الهاربة من أنظمة متفككة متعددة النجوم.


منظار هابل هو مشروع تعاون دولي بين وكالة ناسا الفضائية و وكالة الفضاء الأوروبية. ويقوم مركز غودارد لرحلات الفضاء في مدينة غرين بيلت ولاية ماريلاند بإدارة المنظار. ويقوم معهد علوم منظار الفضاء في بالتيمور بإجراء عمليات هابل العلمية. يعمل هذا المعهد لوكالة ناسا من قبل جمعية الجامعات للأبحاث في علم الفلك في واشنطن العاصمة.

ترجمة: راشد الديحاني

Twitter @rso93
  

مراجعة: وجدان اليوسف

Twitter: @wejdzan

المصدر:

Phys.org


شاركنا رأيك طباعة