بشر لا يمكنهم العد – عندما لا تحوي اللغات على كلمات للأعداد

تاريخ النشر : 17/06/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :232

لا تتواجد الأرقام في جميع الثقافات؛ فهناك مجتمع من الصيادين المتواجدين في حوض الأمازون تحديدًا على امتداد الفروع الشجرية لأطول نهر في العالم لا يمكنهم العد ! ، فبدلًا من استخدام الكلمات لكميات محددة فإن هذا الشعب يعتمد على استخدام تعبيرات تشابه كلمة “قليل” أو كلمة “بعض” .

وفي المقابل، فإن حياتنا محكومة بالأعداد، عندما تقرأ هذا المقال فإنك على الأرجح مدرك ما الوقت الآن ، و عمرك، ورصيدك في البنك، ووزنك وما إلى ذلك . إنها الأعداد الدقيقة التي نظن أنها تؤثر على كل شيء يحيط بنا.

وبالمعنى التاريخي فإن البشر المعتمدين على الأعداد مثلنا يعتبرون غير اعتياديين، فالبنسبة للجزء الأكبر من فترة حياة جنسنا البشري والتي تقدر بـ 200000 سنة لم يكن لدينا وسائل لتمثيل الكميات بدقة، وما هو أكثر من ذلك فإن السبعة آلاف لغة المتواجدة اليوم تتنوع بشكل كبير في طريقة استخدامها للأعداد .

المتحدثون باللغات التي لا تتوفر فيها الأرقام يمكنوننا من معرفة كيفية اختراع الأعداد والتي أعادت تشكيل التجربة البشرية ؛ ففي كتاب جديد قمت – الكاتب- باستكشاف الطرق التي من خلالها اخترع البشر الأعداد وبعد ذلك كيف لعبت الأعداد دورًا حاسمًا في أحداث هامة أخرى من ظهور الزراعة إلى نشأة الكتابة .

ثقافات لا يمكنها العد

هي ثقافات بلا أعداد أو لديها عدد واحد محدد أو اثنين فقط ، وتشمل شعوب موندوروكو Munduruku وبيراها Pirahã في حوض الأمازون ، وأيضًا درس الباحثون بعض البالغين في نيكاراجوا الذين لم يتعلموا كلمات العدد أبدًا .

بدون الأعداد فإن البالغين يكافحون لإعادة تسمية الكميات والتفرقة بينها بدقة كالكميات القليلة مثل أربعة على سبيل المثال؛ ففي تجربة سيقوم أحد الباحثين بوضع ثمار جوز في عبوة واحدة في وقتٍ ما ثم يقوم بإزالتهم واحدة تلو الأخرى ، الشخص الذي يراقب يتم اخباره أن يشير عندما يتم إزالة كمية الجوز بالكامل. تشير الردود أن البشر الذين لا يمكنهم العد لديهم بعض المشكلات في تتبع كم من الجوز سيظل في العبوة حتى إذا كانوا أربعة أو خمسة في المُجمل .

تقاربت هذه التجربة مع العديد من التجارب الأخرى في استنتاج بسيط وهو:  أنه عندما لا يكون لدى الأشخاص كلمات العدد فإنهم يكافحون لتمييز الكميات التي على الأغلب تبدو طبيعية لشخص مثلك ومثلي، بينما فقط جزء صغير من لغات العالم لا يمكنها العد أو غير متقنة تمامًا له ، فإنها تُظهر أن كلمات العدد لا يعرفها كل البشر في العالم .

ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء البشر الذين لا يمكنهم العد لديهم إدراك ووعي طبيعي ويتكيفون جيدًا في المحيط الذي هيمنوا عليه لقرون، وقد قضيت -الكاتب- بعض فترة شبابي أعيش مع سكان أصليين لا يجيدون العد وهم شعب بيراها Pirahã المذكورين سابقًا والذين يعيشون على ضفة نهر مايسي الأسود the black Maici River ، وكالغرباء الآخرين كنت باستمرار أشعر بالإعجاب بإدراكهم الفائق للبيئة النهرية التي نتشاركها .

وإلى الآن يكافح البشر الذين لا يمكنهم العد لأجل مهام تتطلب تمييزًا دقيقاً بين الكميات،  وربما ينبغي ألا يثير هذا الدهشة ، فبعد كل ذلك بدون الحساب كيف يمكن لأحدهم أن يخبر ما إذا كان – كمثال- هنالك سبعة أو ثمانية من ثمار جوز الهند على شجرة ، هذه الفروق التي تبدو بسيطة تصبح ضبابية في عيون الذين لا يمكنهم العد .

الأطفال والحيوانات

هذا الاستنتاج تم الوصول إليه بعد العمل مع أطفال لا يمكنهم العد في المجتمعات الصناعية ؛ فقبل إمدادهم بكلمات العدد يستطيع الأطفال بشكل تقريبي تمييز كميات لا تتعدى الثلاثة . كما يجب أن نعطي الأدوات المعرفية و الإدراكية للأعداد قبل أن نستطيع التعرف بسهولة على كميات أعلى .

في الحقيقة إن اكتساب كلمات العدد لنفس المعنى هي عملية مجهدة وتأخذ من الأطفال سنوات، ففي البداية يتعلم الأطفال الأعداد أكثر مما يتعلمون الحروف ، كما يدركون أن الأعداد تُنظم بالتتابع ، ولكن ليست لديهم المعرفة الكافية بما يعنيه كل عدد. ومع مرور الوقت بيدأوا في فهم أن الأعداد المُعطاة تمثل كميات أكبر بمقدار واحد من العدد السابق، هذا المبدأ جزء أساسي من إدراكنا العددي ولكنه يتطلب ممارسة مكثفة حتى يُفهم .

إذاً لا أحد منا حقيقةً يعتبر “شخص عددي” فلسنا ميالين للتعامل مع الفروق الكمية ببراعة ، ففي غياب التقاليد الثقافية التي تغرس الأعداد في حياتنا من الطفولة فسوف نناضل جميعًا حتى مع الفروق الكمية حتى الأساسية منها .

كلمات العدد والأعداد المكتوبة تحول منطقنا الكمي من خلال إدراجها في تجربتنا المعرفية من خلال آبائنا وأقراننا ومعلمي المدرسة، تبدو العملية عادية جدًا لدرجة أننا أحيانًا نظنها جزء طبيعي خلال فترة النمو ، ولكنها ليست كذلك! فالعقول البشرية تكون مجهزة بقدرات كمية معينة والتي يتم صقلها مع التقدم بالعمر ولكن هذه القدرات تعتبر محدودة جدًا، فعلى سبيل المثال حتى عند الولادة يكون باستطاعتنا التفرقة بين كميتين مختلفتين بشكل ملحوظ مثل التفرقة بين ثمانية وستة عشر.

ولكننا لسنا الجنس الوحيد القادرة على القيام بمثل هذه العمليات، فمقارنةً بالشامبانزي والثدييات الأخرى لا تعتبر مقدراتنا العددية مبهرة كما يفترض العديد، حتى أننا نتشارك نفس المنطق الكمي الأساسي مع أنواع مختلفة من الثدييات مثل الطيور، وفي الواقع بعد دراسة أنواع أخرى بما فيها الببغاواتت وصلنا إلى أنهم أيضًا يستطيعون صقل فكرهم الكمي إذا تم إدخال أدوات القوة المعرفية إليهم والتي ندعوها الأعداد .

ميلاد الأعداد

إذاً كيف ابتكرنا الأعداد غير الطبيعية في المقام الأول ؟

الإجابة -حرفيًا- في أصابعك ، فالجزء الأكبر من لغات العالم يستخدم قاعدة العشرة أو قاعدة العشرين أو قاعدة الخمسة أنظمة عددية ، هذا يعني أن هذه الأعداد الصغيرة تعتبر أساس الأعداد الكبيرة ، تعتبر اللغة الإنجليزية قاعدة عشرة أو لغة عشرية كما دللنا بالعمل مثل أربعة عشر (أربعة + عشرة) وواحد وثلاثين (“ثلاثة × عشرة” + واحد) .

نحن نتحدث لغة عشرية لأن لسان الأجداد الهندي-والأوروبي البدائي كان عشرياً في قواعده ، فقد كان اللسان الهندي-والأوروبي البدائي عشري التوجه لأنه -كما في العديد من الثقافات- خدم أسلافنا اللغويين كنافذة إلى الإدراك مثل أن :”الأصابع الخمس في هذه اليد هي نفسها الأصابع الخمس في اليد الأخرى”، وتجلت هذه الأفكار العابرة في الكلمات وانتقلت عبر الأجيال ، ولذلك في العديد من اللغات كلمة “خمسة” تم اشتقاقها من كلمة “يد” .

كما أن معظم الأنظمة العددية الثانوية نتجت عن سببين رئيسيين وهما السعة البشرية للغة وميلنا للتركيز على الأيدي والأصابع. وتعرض الثقافات التي لا تحتوي على الأعداد رؤية ثاقبة على التأثير المعرفي لتقاليد عددية معينة، فباعتبار ماهية الوقت يكون يومك محكومًا بالدقائق والثواني، ولكن هذه الكيانات ليست حقيقية بأي حس مادي أو فيزيائي وهي معدومة بالنسبة للبشر الذين لا يمكنهم العد، حيث أن الدقائق والثواني تعتبر نظام عددي غير شائع لفظيًا وكتابيًا للقاعدة 60 المستخدمة في بلاد ما بين النهرين منذ آلاف السنين.

وأخيراً، إن البحث عن لغة الأعداد يظهر أكثر وأكثر أن واحدة من خصائص جنسنا الأساسية هي التنوع المعرفي واللغوي الهائل، بينما لا شك في وجود قواسم معرفية مشتركة عبر كل البشر فإن ثقافاتنا المتنوعة جذريًا تعزز بعمق التجارب المعرفية المختلفة .

 

اسم المترجم: أحمد يس نور الدين

Twitter: @iAhmedYaseen

المراجعة : حنين النمري

Twitter: @7aneen92

المصدر:

Live Science


شاركنا رأيك طباعة