كيف تعود الذكريات النائمة إلى الحياة

تاريخ النشر : 09/06/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :475
الكاتب بلال كتفي

المراجع مهرة السلطان

يبدو أنه من الجيد أنّنا لم نتمكّن من معرفة كيفية عمل ذاكرة الإنسان بشكل كامل؛ لأنّنا لو تمكّنا من ذلك، لكنّا نسينا ذلك بكل بساطة، ولطالما كانت الذاكرة هي أحد تلك الألغاز، وأحد أكبر أحجياتها هو ما يعرف بالذاكرة العاملة:  وهي التي تقوم بتخزين المعلومات لفترة قصيرة، مثل رقم الهاتف الذي نحتاج للاتصال به أو وجه نحتاج للتعرف عليه أثناء لقاء، و يمكننا نسيانها بعد ذلك.

على العكس من الذكريات طويلة المدى، التي يُعتقد أنّها تُخزَّن في روابط متشابكة داخل شبكات الخلايات العصبية دائمة الفعالية، بينما يجب أن تكون الأعصاب التي لها علاقة بالذكريات قصيرة المدى قابلة للفصل بسهولة، حيث يتمّ دمج تلك الذكريات المؤقتة مع بعضها، وكما يعتقد العلماء، بفضل المستوى المتدنّي للتنشيط الكهربائي الذي يبقي نمطا معينا من خلايا الدماغ مترابطا وذلك فقط بمقدار ما يجب أن تكون عليه قبل أن تنقطع وتنمحى الذاكرة.

على أي حال، فقد اكتشف فريق من الباحثين في جامعة ويسكنسون – ماديسون، آلية جديدة كليا وذلك في بحث تم نشره في العلوم. فيبدو أنّ الذكريات العاملة يتم حفظها في حالة مستترة أو مخفية، وتتواجد من دون تنشيط واضح  وذلك حتى لحظة احتياجها.

هذه الدراسة، بقيادة عالم النفس نيثان روز، جرّبت على عينة من المشاركين الذي شاركوا في ثلاث نشاطات مختلفة للذاكرة؛ في إحداها، طُلِب منهم تذكّر وجهٍ تمّ عرضه على الشاشة ثم اختيار وجه مشابه له ضمن مجموعة من الوجوه التي عُرِضت لاحقا؛ ففي بعض الحالات، تم وضع وجه مطابق بشكل دقيق لبعض العينات، في حالات أخرى، كان التشابه مقاربا جدّا. في كل الحالات، كان الهدف هو اختيار أقرب وجه من بين الوجوه المقدّمة.

وكتب روز في بريد إلكتروني لمجلة “تايم” قائلا “استعملنا وجوهاً مصممة بالحاسوب بدلاً عن الوجوه المعروفة لكي لا يربط المشاركون بسهولة بين الأسماء أو التفاصيل”.

كانت الاختبارات الأخرى بسيطة أكثر، مثل تذكر الاتجاه الذي تسير عليه مجموعة من النقاط ومن ثم اختيار أقرب تطابق من سلسلة مجموعات، أو قد يكون تذكّر كلمة واختيار أقرب قافية لها من بين مجموعة من الكلمات الأخرى؛ بينما كل الأنشطة التي تم تحضيرها أصعب بقليل لأنّ الصور الأصلية يتم عرضها لثانية واحدة فقط متبوعة بتوقّف لـ 7،5 ثوان، ويتبعها عرض آخر لثانية واحدة للاختيارات المطابقة؛ بالإضافة إلى أنه  ينبغي على المشاركين حفظ الصور  الثلاثة الأصلية داخل ذاكرتهم- الوجه، النقاط المتحركة والكلمات المقفاة – قبل أن يتم امتحانهم على أيّ منها، وفي بعض الحالات يتم إخبارهم أيّ واحد يتوقعون تطابقه أوّلا وفي أحيان أخرى لا. 

وأثناء الامتحان تم مسح أدمغة المشاركين بواسطة الرسم الكهربائي للدماغ عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي الذي يمكنه و بمساعدة برنامج تحليل نمطي رصد الذروات في القراءة التي تشير إلى التنشيط المتشابك لبعض الذكريات المعينة. ووفقاً للنموذج القديم للذاكرة العاملة فقد يوجد ذروة في الارتباطات المتشابكة الموجودة في الصور الثلاثة الأصلية – اعتبارا أنّ ذلك قد يكون الطريقة الوحيدة لتواجد الذكريات – حتى و إن كان هناك احتمال وجود ذروة  أعلى بقليل عن التي يمكن أن تُستخدم أوّلا.

بدلا عن ذلك، حينما كان هناك نشاطاً عصبياً واضحاً لما يسمّى بمادة الذاكرة  الحاضرة-(AMI) و هو ما تحتاجه العينة المشاركة -، لم يكن هناك أي وجود لمادة الذاكرة الغائبة (UMI) و التي من الممكن أن تحتاجها العينة و لكن لاحقا؛ و كتب روز “يرجع الدليل العصبي  إلى المستويات الأساسية للتنشيط، كما لو  أن المادة منسية”؛ وبالمثل عندما سُئلت العيّنة عن مادة الذاكرة الغائبة ، لوحظت ذروة لذلك كما حدث مع مادة الذاكرة الحاضرة. في كلتا الحالتين، عملت الذاكرة العاملة بشكل جيد، ولكن في حالة واحدة قامت بذلك دون فائدة مرئية للنظام التخزيني.

ولإثبات النتائج، استعمل روز وفريقه نبضات التحفيز المغناطيسي للدماغ – شحنات  مغناطيسية خفيفة وغير مؤذية تطبّق على فروة الرأس – لمحاولة تحفيز مواقع مادة الذاكرة الغائبة الخاملة اصطناعيا، وتسبّبت المغنطة في جعل مواد الذاكرة الغائبة تسجّل نشاطا، وحدث ذلك فقط قُبيل مرحلة معينة من إنهاء الاختبار حينما تيقّن المشاركون أنّهم لم يعودوا بحاجة لأية ذكريات. وفي تلك اللحظة لم ينجح التحفيز المغناطيسي. وكانت  النتيجة: أنه يتم حفظ الذكريات الغائبة في ما يسمّيه الباحثون “حالة مفضلة” وذلك فقط للمدة التي يجب أن تكون فيها هناك.

لا تشرح الدراسة ما الذي يحفظ الذاكرة العاملة لو لم يقم بذلك مستوىً منخفضاً من التنشيط، ولكنه على أي حال يغيّر وزن التشابك – أو احتمالية تأثير خلية عصبية واحدة على سلوك الآخر عبر التشابك – قد يكون هو الإجابة. و مهما كان التفسير، فإن العمل له تداعيات ليس لفهم الذاكرة فقط بل الوظائف الإدراكية الأخرى مثل  الفهم و الانتباه و الإبقاء على الهدف.

وبالإضافة إلى ذلك، يكتب روز :” للنتائج تداعيات مثيرة إن كان يمكن إجراء تقنيات تحفيز دماغية غير جراحية لإعادة تنشيط و تقوية الذكريات المستترة” بمعنى آخر، استرجاع المعلومات التي فقدت نهائيا.

ترجمة: كتفي بلال

Twitter: @iBylelK

مراجعة: مهرة السلطان

Twitter: @m0hra

المصدر:

TIME


شاركنا رأيك طباعة