العلاج بالقراءة … الكتب كذخيرة

 

لاشك أن القراءة الهادفة المنتظمة لها مردود إيجابي، ينعكس على تحسين الوضع الصحي والسلوك الشخصي بشكل فعال. وقد أظهرت الدراسات في هذا المجال أن هناك إمكانية لتبديد  حالات الإحباط بتأثير ما يزود به الأشخاص من شحنات روحية عالية جراء انتياب حالة الشعور بالانتشاء والاستمتاع القرائي المكتسب من معارف المواد المقروءة وبالتالي تهيئة النفوس لمواجهة مشاكل ومنغصات الحياة ووضع الحلول المقبولة لها وهذا ما يطلق عليه العلاج بالقراءة.

وضع ” نيقولاس روباكن ” قوانين لعلم نفس الكتاب، يرى من يتأملها أنها أساس صالح للعلاج بالقراءة، ومن أمثلة هذه القوانين: “الكتاب ليس وعاء لنقل المحتويات، ولكنه وعاء يعلق عليه القراء إسقاطاتهم، ذلك أن القارئ إنما يجسد ظواهره النفسية طبقًا للكتاب الذي يقرأه، وكل قارئ يعرف إسقاطاته، ولا يعرف الكتاب نفسه”، وكذلك قوله: “هناك قوتان تعتملان خلال القراءة: عقل المؤلف الذي أبدع الكتاب، وعقل القارئ الذي يعيد إبداع أو تركيب الكتاب طبقا لأغراضه هو”.

ويعرّف الدكتور حامد زهران العلاج بالقراءة بأنه: علاج مساعد غير مباشر، وهو استخدام مواد مكتوبة يقرؤها المريض  ويتفاعل معها ويستفيد منها لتحقيق التوافق والصحة النفسية.

كما يعرّف اتحاد المكتبات الأمريكية 1966م العلاج بالقراءة أنه: استخدام مواد علاجية مساعدة في الطب البدني أو النفسي، وكذلك في التوجيه إلى حل المشاكل الشخصية من خلال القراءة الرشيدة.

ويعرفه قاموس ” دار راندوم” على أنه: استخدام القراءة كمحسّن مساعد للعلاج.

ويظهر من التعريفات السابقة أنها تتجنب ربط العلاج بالقراءة ربطًا مباشرًا بالطب وتضعها في مستويين أولهما جعل القراءة عاملاً مساعدًا في الطب البدني والنفسي وليست علاجًا أو طبًا في حد ذاته، والثاني هو استخدام العلاج بالقراءة في جوانب غير طبية في حالة القراءة الرشيدة أو الارشادية على النحو الذي تتم به في المكتبات العامة والمدرسية وعلى النحو الذي يقوم به الأخصائي النفسي والاجتماعي والموجه التربوي وغيرهم ممن يساعدون الناس في حل مشاكلهم الشخصية.

 

ومما تتحقق به الفائدة المرجوة من العلاج بالقراءة توحّد الفرد مع شخصية معينة أو خبرة معينة في الكتاب، وما يصاحب ذلك أو يتلوه من تصريف انفعالي بخصوص المادة التي يستوعبها القارئ. وقد يتخلص الفرد من فكرة أنه وحده الذي يعاني المتاعب والأمراض بل يجد أنه هو وغيره يشتركون في متاعب ومشكلات متشابهة. ومن أحسن الكتب المفيدة في هذا الصدد تلك التي تحتوي على مادة تصور البطل (أو البطلة) وقد قابلته المشكلات وتغلب عليها وحقق إنجازًا نتيجة لجهاده ونضاله وحربه ضد هذه المشكلات. وصور التوحد الذي يستفاد منها بوضوح تكون عن طريق الإسقاط حيث يستغل المريض مرضه أو القارئ العادي مُشكِله لإسقاط خصائصه وسماته على شخصية ما. والمريض أو صاحب المشكلةهنا يعبر عن هذه السمات بدرجات متفاوتة من التنفيس. ويمكن الاستفادة علاجيًا عندما تستثير القراءة الفرد وتجعله يقارن بين معايير المؤلف وبين معاييره وأفكاره الشخصية وقد يتبنى بعضها ويرفض البعض الآخر.

وفيما يتعلق بجدوى العلاج بالقراءة  وفعاليته فقد أجرى ” روهن 2002م” دراسة لمعرفة أثر العلاج المعرفي بالقراءة في علاج الأعراض الاكتئابية لدى عينة مكونة من (27) طالبًا بالجامعة، تم تقسيمهم إلى مجموعتين تجريبية وضابطة طبق عليهم مقياس الأعراض الاكتئابية كما خضعت العينة التجريبية لبرنامج العلاج المعرفي بالقراءة على مدى ستة أسابيع وذلك بعد قراءة الدليل العملي للعلاج النفسي بالقراءة للمساعدة في علاج الاكتئاب، وقد أظهرت نتائج برنامج العلاج الجماعي بالقراءة انخفاض مستوى الأعراض الاكتئابية لدى المجموعة التجريبية مقارنة بالمجموعة الضابطة مما يؤكد فعالية العلاج النفسي بالقراءة.

 

وفي دراسة أخرى أجراها ” عبدالله 2006م ” حول فعالية العلاج النفسي بالقراءة في خفض مستوى بعض الاضطرابات النفسية لدى عينة من طلاب الجامعة الذكور بجامعة قطر بلغ عددهم 70 طالبًا تم تقسيمهم إلى مجموعتين ضابطة وتجريبية، وأظهرت النتائج فعالية برنامج العلاج النفسي بالقراءة في خفض مستوى الاكتئاب والعصابية، وعدم فعاليته في خفض مستوى القلق والوسواس القهري.

ويستلزم توجيه المسترشد في إطار العلاج بالقراءة الاهتمام بمعرفة خلفيته التعليمية والثقافية وميوله واهتماماته وحاجاته وهواياته. ويتم تحديد مواد القراءة واختيار الكتب والكتيبات والمجلات والنشرات والقصص العلمية أو الأدبية بعناية بواسطة المعالج، ويوجه المسترشد إلى قراءتها بحيث تحقق الفوائد المرجوة من العلاج بالقراءة. ويتم تقديم مواد القراءة كمقترحات وليست إلزامًا مع زيادة الدافعية والتشجيع وتأكيد الفائدة العلاجية للمادة المقروءة.

وأخيرًا فإن هذا النوع من العلاج لايمكنه أنه أن يحل جميع مشكلاتنا  والمعقدة منها خصوصاً فهناك مشكلات تستدعي تدخلاً أعمق ، لكن ذلك لايمنع ولايلغي كون الكتب علاجا مساعدا و وقاية ودرعاً يخفف عنا الضربات يواسينا ويبقينا وقوفًا ويروي فينا عطش المعرفة.

 

 

 

ترجمة: مرام عبدالعزيز
مراجعة: حمد الصقر

 

 

المراجع:

  • الدحادحة، باسم محمد علي(2014م)، أثر العلاج بالقراءة في خفض قلق الامتحان وتحسين مستوى التوافق النفسي لدى الطلبة القلقين بسلطنة عمان، جامعة نزوى، سلطنة عمان.
  • خليفة، شعبان عبدالعزيز(2000م)، العلاج بالقراءة أو الببليوثيرابيا، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة.
  • زهران، حامد عبدالسلام(2005م)، الصحة النفسية والعلاج النفسي، عالم الكتب، القاهرة.
  • عجيب، قصي إبراهيم(2006م)، دور العلاج بالقراءة في بناء وتنمية شخصية الطفل، مجلة جامعة قطر للآداب، قطر

 

شارك هذه المقالة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *