معادلة ” آينشتاينية ” جديدة توحي بأن الثقوب الدودية تحمل المفتاح للجاذبية الكمّية

تاريخ النشر : 08/04/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :452
المراجع بدرية عمر

معادلة آينشتاينية جديدة توحي بأن الثقوب تحمل المفتاح للجاذبية الكمّية

هناك معادلة جديدة يتم تداولها في عالم الفيزياء هذه الأيام، لو أن العالم آينشتاين رآها لجعلته فخوراً.

هي سهلة الحفظ: ER=EPR
قد تشك في مدى فاعلية هذه المعادلة، فحتى تكون صحيحة رياضياً  لابد أن الحرف P يساوي الرقم 1. إلا أن رموز المعادلة لا ترمز إلى أرقام، بل إلى أسماء.

أنت محق إن كنت قد خمنت من قبل بأن الحرف E يرمز لاسم “آينشتاين Einstein “، والحرفان الباقيان R  و P هما الأحرف المبتدئة بها أسماء اثنين من العلماء الذي تعاونوا مع آينشتاين لكتابة أكثر أوراقه العلمية إثارة للاهتمام. اجتماع هذه الحروف في تلك المعادلة، يمثل احتمال وجود طريقٍ تتصالح فيه نظرية آينشتاين للنسبية العامة مع ميكانيكا الكم.

كِلا النظريتان “ميكانيكا الكم والنسبية العامة” ناجحتان بشكل هائل. كلاهما تتنبآن بظواهر غريبة تتحدى مفاهيم الواقع الاعتيادي. وكذلك عندما توضعان تحت التجربة، فإن الطبيعة تتوافق مع متطلباتهما. بما أن كلا النظريتان تصفان الطبيعة بشكل ممتاز، فإنه من الصعب شرح السبب وراء مقاومتهما لكل الجهود التي حاولت دمجهما رياضياً في نظرية واحدة.
الجميع يؤمن أنه يجب على النظريتان – في نهاية المطاف – أن تتوافقا معاً، ولكن الطبيعة حتى الآن تبقي صلتهما ببعضهما سراً.

ER=EPR هذه العلاقة توحي بأنه يمكن العثور على مفتاح فهم علاقتهما ببعض في الأنفاق الزمنكانية المعروفة بالثقوب الدودية. هذه الأنفاق، كما تُلمّح نظرية آينشتاين للنسبية العامة، هي عبارة عن فضاء جزئي يربط بين مكانين بعيدين بشكل فيزيائي ملموس. يبدو أن مثل هذه الأنفاق قد تكون الشخصية البديلة للعلاقة الغامضة بين الجزيئات الذرية المعروفة بالتشابك الكمي.
خلال التسعين سنة الماضية، حاول الفيزيائيون حل أكبر مشكلتين كميتين بشكل منفصل، الأولى، هي كيف يتم تفسير الرياضيات الكمية حتى يكون لغرابتها معنى، والثانية، كيف يمكن دمج الميكانيكا الكمية بالجاذبية. وتبين إن  كانت ER=EPR
صحيحة ، فإن كلا السؤالين لهما يحملان نفس الإجابة، يمكن فهم غرابة الميكانيكا الكمية إذا فُهمت علاقتها للجاذبية. والثقوب الدودية تُكوّن هذه الرابطة.

 

تعرف الثقوب الدودية بجسور “آينشتاين-روزن Einstein-Rosen ” _ تمثل الرمزين ER في المعادلة_  فقد تعاون ناثان روزن مع آينشتاين في ورقة علمية تصف الثقوب الدودية عام 1935 . أما  EPR فتشير إلى ورقة علمية أخرى نشرها آينشتاين مع روزن أيضاً في العام 1935 وكان معهما العالم بورس بودولسكي  Boris Podolsky. تلك الورقة تكلمت بالتفصيل عن الأحجية المتناقضة للتشابك الكمي بخصوص طبيعة الواقع. لعقود، لم يظن أي أحد بأن الورقتين العلميتين لهما أي علاقة ببعضهما. ولكن في العام 2013 اقترح الفيزيائيان جوان مالداكينا و لينارد سسكيند أنه بطريقة ما، الثقوب الدودية والتشابك الكمي يصفان نفس الشيْ.

وفي ورقة حديثة، تحدث سسكند عن بعض نتائج الوعي بالعلاقة بين تلك الورقتين العلميتين. بعض النتائج التي ذكرها كانت: فهم تساوي الثقوب الدودية والتشابك الكمي قد يكون المفتاح لدمج الميكانيكا الكمية والنسبية العامة، تفاصيل الاندماج ستوضح لغز التشابك، الزمكان نفسه يمكن أن يظهر من التشابك الكمي، ويمكن حل الخلافات حول كيفية تفسير ميكانيكا الكم خلال السعي في ذلك.

يقول سسكند: ” ER=EPR تخبرنا هذه المعادلة أن الشبكة المعقدة جدا من النظم الفرعية المتشابكة التي تضم الكون هي أيضا شبكة شديدة التعقيد (ومعقدة تقنيا) من جسور آينشتاين روزن , ويبدو واضحاً لي أن تلك المعادلة لها قيمة كبيرة، ويجب أن تؤثر في أسس تفسير ميكانيكا الكم إن ثبتت صحتها”.

التشابك الكمي يمثل أكبر عائق في طريق فهم الفيزياء الكمية. كمثال، فهو يحصل عندما يقوم مصدر واحد بإشعاع جزيئين اثنين. الوصف الكمي لمثل هذه الجزيئات سيخبرك باحتمالية قياس كميات أحد هذين الجزيئين (مثلاً دورانه) سوف يأتي بنتيجة معينة (أنه يدور عكس عقارب الساعة مثلاً). ولكن عندما يتم قياس الجزيء الآخر من الجزيئين ستعلم فوراَ ماهي نتيجة قياس كمية الزوج الآخر، مهما كانت المسافة بينهما. آينشتاين لم يتقبل هذه الفكرة بسهولة، وأصر بأن قياس كمية في مكان ما لن يؤثر على قياس الجزيء الذي يقع في مكان آخر. إلا أن الكثير من التجارب العملية أكدت قوة التشابك الكمي وعارضت آينشتاين. رغم عدم إمكانية إرسال أي نوع من المعلومات لحظياً من الجزيء الأول إلى الجزيء الثاني، كما أصر آينشتاين، إلا أن أحدهما يبدو وكأنه يعلم ما حدث مع الزوج الآخر.

في العادة يتحدث الفيزيائيون عن التشابك بين جزيئين اثنين، وهذا أبسط الأمثلة. سسكند يشير إلى المجالات الكمية (وحدة بناء الجزيئات) يمكن أن تتشابك أيضاً ” في فراغ نظرية المجال الكمي يمكن للمجالات الكمية في مناطق من الفضاء غير متصلة ببعضها أن تتشابك” . هذا له علاقة بالجزيئات الافتراضية الغريبة, والمعروفة، التي تظهر بشكل دائم من الفراغ. هذه الجزيئات ليس لها أي مصدر تظهر منه حرفياً، وهذا يؤكد أنها متشابكة. وفي خلال الحياة القصيرة لهذه الجزيئات، يمكن أن تتصادم بالجزيئات الحقيقية وتجعلها متشابكة أيضاً.

فلنتخيل شخصين اسم الأول أليس والثاني بوب، وهما بارعان في إجراء التجارب الكمية، قاما بجمع الجزيئات الحقيقية المتشابكة في الفراغ. أليس أخذت أحد الجزيئين وبوب أخذ الآخر، ثم افترقا في الفضاء بعيداّ عن بعضهما، وقام كل منهما بضغط جزيئاته بشدة حتى تحولت هذه الجزيئات لثقوب سوداء. بسبب تشابك الجزيئات سابقاً، أليس وبوب تسببا في خلق ثقبين أسودين متشابكين. إذا كانت المعادلة السابق ذكرها صحيحة، فإن ثقباً دودياً سيصل بين هذين الثقبين الأسودين، إذاً يمكننا وصف التشابك باستخدام الأبعاد الهندسية للثقوب السوداء. يكتب سسكند ” هذا ادعاء استثنائي وتأثيره ليس محل تقدير بعد”

يقترح سسكند أن الجزيئين المتشابكين هما نفسهما بطريقة ما متصلين بثقب دودي كمّي، مما يلفت النظر. خصوصاً أن الثقوب الدودية هي تشوهات هندسية في الزمكان – كما وصفها آينشتاين في معادلات الجاذبية – تعريفها من وجهة نظر التشابك الكمي سيشكل رابطاً بين الجاذبية وميكانيكا الكم.

هذه التطورات تؤكد على أهمية التشابك ودوره في فهم الواقع. وبالخصوص المعادلة ER=EPR تستمر في طرح جدال مستمر عن كيف يجب تفسير الميكانيكا الكمية. الطريقة النموذجية (تفسير كوبنهاجن) تؤكد على دور المُراقب، والذي بينما يقوم بالقياس يقليص احتمالات كمية عديدة إلى نتيجة واحدة مؤكدة. ولكن تفسير افريت المُنافس (أو المعروف بالعوالم المتعددة) يقول بأن عدة احتمالات ستحصل، وأي مُراقب سيلاحظ ويختبر فقط إحدى أفرع سلسلة الأحداث المحتملة.

في تفسير افريت، تقلص سحابة الاحتمالات (الدالة الموجية) لا يحصل أبداً. التفاعلات (وهي القياسات) فقط تتسبب في جعل الكيانات المتفاعلة تتشابك. وبالتالي يصبح الواقع ” شبكة معقدة من التشابكات”. مبدئياً، كل تلك الأحداث المتشابكة يمكن عكسها، لذلك لا شيء سينهار حقيقةً، أو سيكون مضللاً القول بأن الانهيار لا يمكن عكسه. رغم ذلك فإن النظرة النموذجية للانهيار الذي لا يمكن عكسه تعمل تطبيقياً بشكل جيد. ليس من المعقول أبداً أن يتم عكس التفاعلات الكثيرة التي تحصل في الحياة الواقعية. وبتعبير آخر، يقول سسكند إن المعادلة السابق ذكرها توحي بأن النظريتان للواقع الكمي “مكملتان لبعضهما”.
ويستمر سسكند موضحاً بالتفاصيل كيف يعمل التشابك مع عدة مساهمين ويصف التداعيات المترتبة على مساواة التشابك بالثقب الدودي. إنه من المؤكد مثلاً أن الثقب الدودي لا يمكن استخدامه لإرسال إشارة عبر الفضاء أسرع من الضوء. أليس وبوب مثلاً لا يستطيعان إرسال رسائل لبعضهما خلال ثقب دودي يصل بين ثقوبهما السوداء. رغم ذلك، إذا أرادا حقاً التحدث مع بعضهما فإنهما يمكن أن يقفزا إلى ثقوبهما السوداء ليلتقيا في وسط الثقب الدودي. لقائهما هذا سيعني تأكيداً قوياً لفكرة المعادلة السابق ذكرها، (رغم أن أليس وبوب لن يستطيعا نشر ورقتهما العلمية بهذا الخصوص!)
في وقتنا الحالي، الكثير من الأوراق العلمية تتحدث عن تلك المعادلة والكثير منها يصل الجاذبية، وأبعاد الزمكان، بالتشابك الكمي. في أحد أحدث الأوراق العلمية حاول تشنجن كاو و سين م.كارول وسبيريدون مايكالاكس، وهم فيزيائيون من معهد كاليفورنيا للتقنية، أن يوضحوا كيف يمكن بناء الزمكان عن طريق شبكة ضخمة من التشابك الكمي في الفراغ.  كتبوا في ورقتهم ” في هذه الورقة أخذنا خطوات باتجاه اشتقاق وجود وخصائص الفضاء نفسه عن طريق وصف كمّي جوهري باستخدام التشابك”. وقد وضحوا كيف أن التغييرات في الحالات الكمية، الوصف المجرد الكمي للواقع، يمكن أن تُربط للتغيرات في أبعاد الزمكان. قالوا ” بهذا الشكل يظهر أن مصدر الجاذبية هو الميكانيكا الكمية بشكل طبيعي”.
يعترف كاو وكارول و مايكالاكس بأن نهجهم يبقى غير مكتمل، فهو يحتوي على افتراضات تحتاج تأكيداً فيما بعد. كتب كارول حديثاً في منشور مدونة ” ما فعلناه في ورقتنا العلمية هو بشكل كبير يُعد تمهيدياً وحدسياً ، نحن لا نملك النظرية الكاملة لأي شيء، وحتى ما نملكه بين يدينا يتضمن الكثير من التخمين  ولا يتضمن بعد حسابات دقيقة”

مع ذلك فإن هناك فهم متزايد بين العديد من الفيزيائين بأن الطريق لتوحيد ميكانيكا الكم والجاذبية قد أصبح سالكاً. يقول كارول مُلاحظاً : إذا كان هو الطريق الصحيح، فيبدو أنه ليس من الصعب على الإطلاق الحصول على الجاذبية من ميكانيكا الكم، إنه تلقائي. ويؤمن سسكند بأن الطريق للجاذبية الكمية – من خلال الثقب الدودي- يمثل توحد النظريتين بشكل أعمق مما ظنه العلماء. يقول سسكند : مانستنتجه من معادلة ER=EPR هو أن الميكانيكا الكمية والجاذبية متصلتان ببعضهما بشدة أكثر مما تخيلنا جميعاً (أو مما تخيلت أنا على الأقل ) .

 

ترجمة: فاطمة محمد الكعبي
تويتر: Fatimamk35

 

مراجعة: بدرية عمر
تويتر: @bedooomar

المصدر:
Science News


شاركنا رأيك طباعة