النوم يُقلص الدماغ… وهذا شيءٌ جيّد

تاريخ النشر : 31/03/2017 التعليقات :0 الاعجابات :1 المشاهدات :784

النوم يُقلص الدماغ… وهذا شيءٌ جيّد

إنّ النوم يُقلص الوصلات العصبية الخاصة بك- كان هذا الاستنتاج من آخر بحث علميّ أُجري على التغيرات الدقيقة التي تحدث في الدماغ أثناء النوم.

وجد الباحثون أنّ النوم يُزوّدنا بوقتٍ تتقلص فيه نقاط الاشتباك العصبيّ (الروابط بين الخلايا العصبية- معروفة أيضًا بالوصلات العصبية) في الدماغ بما يُقارب ٢٠ في المئة. وقالوا أن الوصلات العصبيّة ترتاح خلال هذا الوقت، وتستعد لليوم التالي الذي فيه تزدادُ قوةً عند استقبال بيانات جديدة؛ أي تعلُّم أشياء جديدة. وقال العلماء أنه دون إعادة الضبط هذه والمعروفة باسم “اتزان التشابك العصبي”؛ فإنّ الوصلات العصبية يمكن أن تحمل فوق طاقتها؛ ممّا قد يؤدي إلى احتراقها كمِقْبَس كهربائيّ موصول بالكثير من الأجهزة.

 

“إنّ النوم هو الوقت المثاليّ للسماح بإعادة ضبط الوصلات العصبية؛ لأننا عندما نكونُ مستيقظين تكونُ خلايانا العصبية مسلَّمة للزمان والمكان الحاليَّيْن؛ وذلك بأن تكون  دائمًا حاضرةً ومُثارةً ببعض المحفِّزات والمعلومات  الجديدة”.

وهذا ما قالته الباحثة المشاركة في الدراسة الدكتورة كيارا تشيريلّي من مركز النوم والوعي بجامعة ويسكونسن ماديسون. وأضافت الدكتورة كيارا:

“خلال النومِ نكون أقلّ انشغالًا بالعالم الخارجيّ، ويمكن للدماغ اختبار وتقيِيم جميع الوصلات العصبية التي نملكها، بالإضافة إلى إعادةِ ضبطها بطريقة ذكية”.

 

في عام ٢٠٠٣م قدّم كلٌ من الدكتورة كيارا وزميلها الدكتور جوليو تونوني (أيضًا من جامعة ويسكونسن ماديسون) فرضيّة اتزان التشابك العصبيّ. وبعد ملاحظتهما تقلُّص الوصلات العصبية في الفئران أثناء نومها في تجربةٍ معقّدة امتدّت لأربع سنوات؛ أصبح لدى الدكتورة كيارا والدكتور جوليو الآن أدِلّة بصرية واضحة لفرضيّة اتزان التشابك العصبي. وقال الباحثون في ذلك أنّ النوم هو المُقابل الذي يدفعه الناس لأدمغتهم التي لديها القدرة على الاستمرار في تعلُّم أشياء جديدة. راسِل فوستر -مدير معهد النوم وعلم الأعصاب الإيقاعيّ بجامعة أكسفورد في المملكة المتحدة- لم يشارك في الدراسة، ووصفها بأنّها “عملٌ رائع وواضحٌ جدًا”. وقال فوستر أنّ النتائج تدعمُ فكرة ضرورة النوم لتعزيز الذكريات؛ وبالتالي تعزيز التعلُّم.

 

كان البشر يبحثون لآلاف السنين عن طبيعة النوم والغرض منه، فمثلًا اقترح أرسطو أن النوم كان لغاية الترميم؛ فهو وقتٌ لاستبدال أو إعادةِ بناء كلّ ما تمّ حرقه في جميع أنحاء الجسم خلال اليوم. والعلمُ الحديث يدعم هذه الفكرة؛ فقد حدّد عددٌ من الباحثين مجموعات الجينات المرتبطة بالترميم والمسارات الأيضية التي تعمل فقط أثناء النوم.

 

وقد ركزّت الدكتورة كيارا مع الدكتور جوليو على تأثير النوم على الدماغ؛ ففي ورقةٍ بحثيّةٍ لهما نُشرت عام ٢٠٠٣م وضعا عدّة فرضيّات حَول دَور النوم في نموّ الوصلات العصبية، والتي بدورها تكون بمثابة قنوات لنقل المعلومات بين الخلايا العصبية.

 

تتقوّى نقاط الاشتباك العصبيّ وتتسع باستمرار خلال اليوم؛ وذلك لاستيعاب تدفُّق حركة المعلومات الناتجة عن اكتساب الدماغ خبرات جديدة. لكنَّ هذا الازدياد في النمو والقوة لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية؛ وإلّا سَتُصبح الوصلات العصبيّة مُشْبعة بالمعلومات بما يفوق طاقتها. وأشار الباحثون في ورقةٍ بحثيّةٍ سابقةٍ لهم أن الوصلات العصبيّة تُشَذَّبُ (تُزال بعمليّة أشبه بالتقليم) أثناء النوم، وأنّ هذا التشذيب ليس بالضرورةِ سببًا لحاجة الجسم إلى النوم؛ بل الأحرى أنّ الجسد يستغلُّ فرصة انخفاض الحركةِ في الدماغ أثناء النوم. وللعثور على أدِلّة لهذا؛ استخدم الباحثون نوعًا جديدًا من المجاهر الإلكترونية التي يمكنها تمييز التغيّرات الضئيلة في عمليةّ التقلص وعمليّة التوسع -اللّاحقة للسابق ذكرها- في هذه الوصلات العصبية المجهرية على مستوى النانومتر في أدمغةِ الفئران. ووجدوا أنّ بِضع ساعاتٍ من النوم أدّت إلى انخفاض حجم الوصلات العصبية بمتوسط ١٨٪.

 

وذكَرت الدكتورة كيارا أنّ إحدى الحقائق المثيرة للاهتمام أنّ هذا الانكماش وقع في حواليّ ٨٠٪ من الوصلات العصبية؛ ولكنّه تجنّب الوصلات الكُبرى منها. قد تكون لتِلك الوصلات العصبية الكبيرة علاقةٌ بالذكريات الأكثر استقرارًا وأهميّةً؛ وصلات لا يريد الدماغ فقدانها- كما يتوقَّع الباحثون. وأضافت الدكتورة كيارا أنّه -ومع ذلك- فإنّ الطريقة التي يقرّر فيها الدماغ أيّ وصلات عصبية تتشذّب ويُعاد ضَبْطها هي لُغزٌ آخرُ لاسكتشافه.

 

وقال فوستر:

“من المهمِّ جدًّا حدوث هذه العمليّة كلّ ليلة؛ حتى لا تتسبب الكميّة الهائلة من المعلومات المُشَفَّرة من قِبَل الوصلات العصبية المؤقتة خلال النهار بتدمير الدماغ”.

مُسترسلًا  بقوله:

“عمليّة التقلّص هذه تضمن الاحتفاظ بالمعلومات الأكثر أهميّة فقط”.

 

أضاف فوستر أيضًا أنّ بإمكانه تَصوُّر تجارب مبنيّة على عمل تشيريلّي-توتوني تُستخدَمُ فيها الفئران كنماذج لاستكشاف العلاقات ما بين الساعة البيولوجية (ساعة الجسم الداخليّة)، والنوم، وتشذيب الوصلات العصبيّة، والاضطرابات النفسيّة؛ إذ يَبدو أن بعضًا من السمات الرئيسية لهذه الاضطرابات خللٌ  في الدوائر العصبية، واضطراب في النوم، وضعف في الذاكرة والإدراك.

 

يقول فوستر أن إعادة ضبط نقاط الاشتباك العصبيّ قد تكون سمةً أساسيّةً للنوم- لا سيّما بالنسبة للبشر مع قدراتهم الإدراكية المتقدمة مقارنةً بالحيوانات. وقال أنّه من المرجح أن تكون هذه العمليّة واحدةً فقط من العديد من الوظائف الرئيسة التي تحدث أثناء مرحلة النوم- الفترة التي فيها يستغل الجسم الخمول البدنيّ لأداء سلسلةٍ من أنشطة التشذيب والعمليّات الإعدادية الأساسيّة.

 

 

 

ترجمة: روان الخليوي

تويتر: @rawanalkheliwi

مراجعة: تولين المزيد

 

المصدر:

Live Science


شاركنا رأيك طباعة