ما هي الإمكانيات الحقيقية للطاقة المندمجة؟

تاريخ النشر : 28/02/2017 التعليقات :0 الاعجابات :0 المشاهدات :672

ما-هي-الإمكانيات-الحقيقية-للطاقة-المندمجة؟

منذ قرون، كان البشر يحلمون بتسخير طاقة الشمس لتنشيط الحياة هنا على كوكب الأرض. لكننا اليوم نريد الذهاب أبعد من جمع الطاقة الشمسية، لنولّد يوما ما طاقتنا الخاصة بنا من شمسنا المصغّرة. إن كان في إمكاننا حل بعض المشاكل العلمية والهندسية المعقّدة ، فإنّ الطاقة الشمسية المندمجة تَعِدُ بـمصادر طاقة خضراء وآمنة وغير محدودة. فقط من كيلوغرام واحد من الديوتيريوم المستخلص من المياه يومياً يمكننا الحصول على كهرباء كافية لتشغيل مئات الآلاف من المنازل.

منذ الخمسينيات، نجحت الأبحاث العملية والهندسية في تحقيق تطوّر هائل لدفع ذرّات الهيدروجين للاندماج مع بعضها البعض في تفاعل ذاتي – بكمية قليلة لكن قابلة للإثبات من الطاقة المندمجة -. يلاحظ المتشكّكون والمناصرون على حدّ سواء أنّ أهمّ وأكبر تحدّيين متبقّيين هما: الحفاظ على التفاعل لأطول مدة زمنية وابتكار تركيب مادي لتسخير قوة الاندماج للكهرباء.
مثل باحثي الاندماج في مختبر برينستون لفيزياء البلازما، نعلم بواقعية أنّ أولى المنشآت التجارية لقوّة الاندماج لا تزال بعيدة المنال لربما 25 سنة أخرى. لكن، احتمال وصول فوائدها الهائلة في النصف الثاني من هذا القرن يعني أنّه يجب علينا مواصلة العمل. والعروض الكبرى لجدوى الاندماج يمكن أن تتمّ باكرا، ويجب ذلك، ليكون في الإمكان إدراج قوة الاندماج في التخطيط لمستقبل طاقتنا.
وعلى عكس مصادر توليد الكهرباء الأخرى، مثل الطاقة الشمسية أو الغاز الطبيعي والانشطار النووي، الاندماج لا يمكن تطويره بشكل مصغّر والتدرّج به صعوداً لاحقا. فخطوات التجارب كبيرة وتأخذ وقتاً لبنائها. لكن مشكلة وفرة الطاقة النظيفة ستكون مطلباً بشرياً كبيراً في القرن المقبل وبعده. وسيكون من التهوّر عدم استغلال مصادر هذه الطاقة الواعدة كليّا.

 

لماذا توليد الطاقة بالاندماج ؟

في الاندماج، تندمج نوى ذرّتي هيدروجين (ديوتيريوم وتريتيوم النظائر المشعة ) مع بعضها البعض (عكس الانشطار النووي ). نسبياً، من الصعب القيام بهذا: فكلتا النواتان موجبتان، وعليه ستتنافران. إلّا إن كانتا تتحرّكان بسرعة قصوى وعندما تصطدمان ستسحقان بعضمها، وتندمجان، وبذلك تطلقان الطاقة التي نسعى خلفها.
وهذا ما يحدث طبيعيا في الشمس. أمّا هنا على الأرض، فنحن نستعمل مغناطيسات قوية لاحتواء غاز كهرباء ساخن جدّاً مشحوناً بنوى الديوتيريوم والتريتيوم  والإلكترونات. هذا الغاز المشحون والساخن هو ما يُسمّى: البلازما.
البلازما ساخنة جدّاً – أكثر من 100 مليون درجة مئوية – لذلك تتحرّك النوى المشحونة موجباً بسرعة كافية لتجاوز تنافرها الكهربائي وتندمج. وعند اندماج النوى يتشكّل جزيئان طاقويان – جزيء آلفا (نواة ذرة الهيليوم) والنيوترون.
تسخين البلازما لهذه الدرجة يستهلك طاقة كبيرة والتي يجب وضعها في المفاعل قبل أن يبدأ الاندماج. لكن حالما يبدأ، يملك الاندماج إمكانية توليد طاقة كافية للإبقاء على حرارته، مما يسمح لنا بسحب الحرارة الزائدة لتحويلها إلى كهرباء قابلة للاستعمال.
وقود قوة الاندماج متوّفر في الطبيعة. الديوتيريوم موجود بكثرة في الماء، والمفاعل يمكنه صنع التريتيوم من الليثيوم. وهو متوفّر في كلّ الدول، معظمه مستقلّ عن الموارد الطبيعية المحلية.
طاقة الاندماج نظيفة. ولا تبعث أيًّا من الغازات الدفيئة، ولا تنتج غير الهيليوم والنيوترون.
فهي إذن آمنة. ولا توجد أيّة احتمالية للهرب منها، على عكس الانشطار النووي “الانصهار”. بل، حتى و إن حدث أيّ عطل، فالبلازما تبرد وتفاعلات الاندماج تخفت.
كلّ هذه الصفات حفّزت الباحثين لعقود وأصبحت أكثر جذباً من ذي قبل. لكن، هذه الإيجابيات مرتبطة بالتحدّي العلمي الكبير للاندماج.

 

تقدّم للتاريخ

يمكن قياس التقدم في إنتاج الطاقة المندمجة بطرقتين. الأولى التقدم الهائل في الفهم الأساسي للبلازمات عالية الحرارة. كان على العلماء تطوير ميدان جديد في الفيزياء – فيزياء البلازما – لابتكار طرق جديدة لحجز البلازما في ميادين مغناطيسية قوية، وبعدها تطوير إمكانيات التسخين والتثبيت والسيطرة عليها، وقياس خصائص البلازما الملتهبة.
كما تطوّرت التكنولوجيا المتعلّقة بها أيضا بشكل رهيب. حيث دفعنا الحدود في المغناطيس ومصادر الموجات الكهرومغناطيسية وفيض الجسيمات لاحتواء وتسخين البلازما. كما طوّرنا أيضاً تقنيات لتتمكّن المواد من مقاومة حدّة الحرارة للبلازما في التجارب الحالية.
من السهل نقل المتريات العملية التي تتعقّب مسيرة الطاقة المندمجة إلى التسويق. من بينها القوة المندمجة التي تم إنتاجها في المخابر: حيث تصاعدت القوة المندمجة من ميلّي واطات في الميكرو ثانية في السبعينات إلى 10 ميغاواط من القوة المندمجة (في مختبر برينستون لفيزياء البلازما) و 16 ميغاواط في الثانية (في الطارة الأوربية المشتركة بإنجلترا) في التسعينات.

 

فصل جديد في البحث

اليوم، يعمل المجتمع العلمي الدولي بشكل متحد لبناء منشأة بحث اندماج عظمى في فرنسا. تسمّى: إيتر (كلمة لاتينية تعني: “الطريق”)، هذه المنشأة تنتج حوالي 500 ميغاواط من القوة الحرارية المندمجة في حوالي ثماني دقائق مرة واحدة. لو يتم تحويل هذه القوة إلى كهرباء، يمكنها تزويد حوالي 150,000 منزل بالطاقة. كتجربة، ستسمح لنا باختبار معضلات العلم والهندسة الكبرى تحضيراً لمنشآت القوة المندمجة التي ستعمل بدون توقّف.
تستخدم إيتر التصميم المسمّى “توكاماك”، اختصار من كلمة روسية. يتضمّن بلازما على شكل كعكة “دونات”، محصورة في حقل مغناطيسي ضخم، مصنوع جزئياً من تيار كهربائي يتدفّق من البلازما نفسها.
بالرغم من أنّه مصمّم على أنّه مشروع بحثي، و غير مقرّر أن يكون منتجاً صافياً للطاقة الكهربائية، إلا أنّ “إيتر” سينتج 10  أضعاف الطاقة المندمجة من الخمسين ميغاواط اللازمة لتسخين البلازما. هذه الخطوة العلمية الضخمة، التي ستخلق أوّل “بلازما حارقة”، حيث تأتي معظم الطاقة المستخدمة لتسخين البلازما من تفاعل الاندماج نفسه.
يحظى مشروع “إيتر” بدعم من طرف حكومات تمثّل نصف تعداد سكّان العالم وهي : الصين، الاتحاد الأوروبي، الهند، اليابان، روسيا، جنوب إفريقيا، كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما يمثّل بياناً عالمياً قوياً عن الحاجة للطاقة المندمجة الموعودة.

 

الطريق إلى الأمام

من هنا، السبيل المتبقّي نحو الطاقة المندمجة يحوي مكوّنين اثنين. الأوّل، أنّه يجب علينا مواصلة البحث حول توكاماك. وهذا ما يعني تطوير الفيزياء والهندسة بطريقة تمكّننا من الإبقاء على البلازما في حالة مستقرّة لأشهر مرة واحدة. وسنحتاج لتطوير مواد يمكنها مقاومة مقدار حرارة يعادل خُمُس جريان الطاقة على سطح الشمس لأطوّل مدة. وكذا يجب علينا تطوير مواد يمكنها تبطين قلب المفاعل لامتصاص النيوترونات وتكثير التريتيوم.
والمكوّن الثاني في سبيل إنتاج الطاقة المندمجة هو تطوير أفكار تحسّن من جاذبية الطاقة المندمجة. ولأفكار كهذه، نحتاج لـ:

1) استخدام الكمبيوتر، لتحسين تصاميم مفاعلات الاندماج ضمن قيود الفيزياء والهندسة. وبعيدا عما يمكن للبشر حسابه، تنتج هذه التصاميم المحسّنة بلازما على شكل كعكة دونات ملتوية والتي تكون عالية الاستقرار ويمكنها الاشتغال آلياً لأشهر دون توقّف.
2) تطوير مغناطيسات جديدة عالية الحرارة وفائقة التوصيل يمكنها أن تكون أقوى وأصغر من أفضل ما عندنا اليوم. هذا ما يسمح لنا ببناء مفاعلات اندماج أصغر و (لما لا) أرخص.
3) استخدام معادن سائلة، بدلاً عن الصلبة، مثل المواد المحيطة بالبلازما. فالمعادن السائلة لا تنكسر، ما يقدّم لنا حلاً محتملاً للتحدّي الهائل في كيف يمكن للمواد المحيطة التصرّف عند ملامستها للبلازما.
4) بناء أنظمة تشمل بلازمات على شكل كعكة دونات دون ثقوب في الوسط، تشكيل بلازما على شكل كرة. بعض هذه المقاربات يمكن أن تعمل مع حقول مغناطيسية أضعف. مقاربات “الحلقات المدمجة” و “الحقول المتوسّطة” هذه تقدّم لنا إمكانية تقليص الحجم والكلفة.

تعمل برامج البحث الممولة حكومياً حول العالم على عناصر كلا المكوّنين – وسينتج منافع من كل المجالات حول الطاقة المندمجة (إلى جانب فهمنا للبلازمات في الكون وفي الصناعة). في آخر 10 إلى 15 سنة، انضمّت شركات ذات تمويل خاص لهذه المجهودات، خصوصاً في البحث حول اختراقات “الحلقات المدمجة” و “الحقول المتوسّطة”. والتطوّر قادم وسيجلب لنا معه طاقة آمنة، نظيفة ووفيرة.

 

ترجمة : كتفي بلال
Twitter: @iBylelK

مراجعة : فاطمة الحازمي

Twitter: @fatimah_alhazmi

 

 

المصدر:

Live Science


شاركنا رأيك طباعة