التوحد وحاسة البصر

التوحد-وحاسة-البصر

التوحد

ويسمى اضطراب طيف التوحد، يعود هذا المصطلح إلى اضطراب بالنمو ويمكن تمييزه بضعف التفاعل الاجتماعي، التواصل والتخيّل. هذا الطيف ذو الملامح التوحدية متغيّر حيث أن حدة أعراضه تتراوح من معتدلة إلى شديدة وفي بعض الأحيان تعطي نتائج إكلينيكية (سريرية) ضعيفة.

بعض الأشخاص الذين يعانون من التوحد لديهم صعوبات تعلم شديدة ويمتنعون عن الكلام، وعلى العكس تماماً فإن هناك اختلافات قصوى إلى ما يقارب ٢٥٪ من التوحديين لديهم ذكاء عادي ونسبة قليلة لديهم ذكاء أعلى من المتوسط. وهذه الحالة قد تشخص بالخطأ إلى متلازمة آسبرجرز، حيث الأشخاص الذين لديهم الآسبرجرز لديهم ذكاء عادي ولكن يظهرون شبيهين بالتوحد.

 

تشخيص التوحد

بحسب كتيب التشخيص والإحصاء للاضطرابات العقلية الخاص بجمعية علم النفس الأمريكية، وصفوا الأفراد المصابين بمتلازمة طيف التوحد بأنهم يتعرضون لثلاث صعوبات رئيسية وما سموها بثلاثية الاعتلال في التفاعل الاجتماعي، التواصل الاجتماعي والتخيّل.

وبإيجاز، فإن الأفراد المصابون بمتلازمة طيف التوحد لديهم بعض الصعوبات في تكوين العلاقات، أو يظهر عليهم تبلد ولامبالاة بالآخرين ويتخذون التواصل الاجتماعي بشكل سلبي، يتعثرون كلاميًا ومحتوى الحديث عادةً ما يكون محدود، بالإضافة إلى أنه ليس لديهم استعداد لتطوير اللعب الابتكاري ونطاقهم محدود من الأنشطة التخيلية، ويميلون للتركيز على أقل الأشياء أهمية فيما حولهم على سبيل المثال يركز على قرط الأذن بدل التركيز على الشخص الذي يرتدي القرط.

 

كيف يظهر مرض التوحد؟

حتى الوقت الحالي فإن أسباب متلازمة طيف التوحد ظلت غير معلومة، ولكن بعض الباحثين اقترحوا عدة عوامل قد تكون هي المعنية:

  • الحمل والولادة: الصعوبات والنزيف التي تعانيها الأم في الأسابيع الأولى من الحمل والأدوية التي تستخدم في نفس الفترة، عمر الأم كذلك وعدم توافق فصيلة دم الأم مع فصيلة دم الطفل.
  • تركيبة ووظيفة الدماغ: وجد أن بعض الأفراد المصابين بمتلازمة طيف التوحد أكبر بنسبة ٢ إلى ١٠ بالمئة من دماغ الأفراد القياسي العصبي، حيث تظهر وتتصل قشرته بشكل غير طبيعي.
  • عوامل بيئية: من العوامل الطارئة التي قد تسبب تطور المرض هو التعرض قبل الولادة لبعض المواد مثل الثلايدومايد، الكوكايين والكحول.
  • لقاح الأطفال الثلاثية ضد (الحصبة، النكاف، الحصبة الألمانية): من أكثر الأسباب المعلنة وأثير حولها الخلاف حول تسببها لمرض التوحد ولم يرد حتى الآن ما يؤكد ذلك.

 

الخصائص البصرية لمرضى التوحد:

بدايةً في البصريات الإكلينيكية قد نجد بعض الخصائص في البصر والرؤية لدى الأفراد التوحديين:

  • نتائج غير سليمة في الفحص الكهربائي للشبكية ERG.
  • وصفات النظارات الطبية متغيرة دائماً وغير ثابتة.
  • خلل في وظائف عضلات العين.
  • ضعف إدراك بعد الأشياء وحركتها.
  • عسر القراءة.
  • الانزعاج من الضوء والرسومات.
  • رؤية مهزوزة ومشوشة.
  • عدم توازن النظر الجانبي والمحوري.
  • سلوكيات ذاتية كتصفيق اليدين وتقاطع العينين وتقريب الأشياء منهما.

 

معاناة النظر لدى التوحديين:

دكتور البصريات الأمريكي كابلان في كتابه “seeing Through New Eyes” أجاب عن أكثر التساؤلات فيما يخص النظر والرؤية لدى التوحديين. العالم الخارجي قد يظهر غريب وغير مرحب به وذلك لأن جهاز الرؤية لديهم في غاية الضعف. وبعض التوحديين قد يعانون من عتمة الضوء أو من الضوء الأبيض الساطع، وأيضاً يعبر البعض عنهم بأن النظر المباشر لديهم كمن ينظر من خلال طبق من الجلي، مهزوز وغير ثابت.

هذه المشكلات تنبع من عجز في عمليات النظر بما هو محاط أي في الرؤية المحيطية، حيث أن التوحديين غالباً ما يكون لديهن نظر طبيعي بؤري تام، وهو النظر المركزي الرئيسي والذي يسمح لنا بالتعرف على الأشياء عندما ننظر إليها مباشرة، وعلى سبيل آخر، فإنه ليس لديهم مشكلة مع وظيفة “ما هذا الشيء؟” ولكن بدلاً من ذلك فإن المشكلة تكمن في الرؤية المحيطية والتي تتضمن المجال الكامل للرؤية وتخبرنا عن مواقع الأشياء في الفراغ أي وظيفة “أين هو الشيء؟”.

عندما تعمل الرؤية المحيطية بشكل جيد فإن العينان تعملان كفريق، حيث ينتج عنهما صورتان منفصلتان ولكن متراكبتان، وهذا ما يسمح لنا برؤية ثلاثية الأبعاد وتحكيم البعد والمسافة.

 

عادة ما نجد لدى التوحديين نوعين من النظر المتغير:

  • الأول: “انشقاق النظر” أو النظر المضغوط: حيث يضيق مجال الرؤية لدائرة صغيرة نسبياً، هؤلاء يركزون فقط على ماذا يرون في هذا الشق. الأشخاص ذوي النظر المنشق يرون العالم بثنائي الأبعاد ولا يستطيعون تحكيم المسافات والإشارات بدقة، وفي بعض الحالات يظهر إليهم العالم المحيط كأن منهار باتجاههم.
  • الثاني: النظر التبادلي” أو تباين النظر: حيث أن العينان تريان صورتان مختلفتان غير متراكبتين، الشخص الذي يظهر لديه هذا التفاوت فإنه بالأساس يرى منظرين غير متشابهين ومتنافسين، النتيجة يمكن تشبيهها بشريط الأفلام الذي يسير ببطء شديد للإيهام بالحركة المتواصلة، وإظهار وميض الصورة بدلاً من ثباتها. في بعض الحالات يرى تأثيراً معاكساً مع الصورة المتحركة بشكل سريع فإنها تظهر تشويش متواصل.

 

الأطفال التوحديون الذين يعانون من خلل في النظر المحيطي يكون لديهم مشكلة في التوازن، الحركة بشكل متناسق، الوقوف والمشي بشكل صحيح، يجهلون أيضاً أبعاد أجسادهم وكيف يصلون للعالم المحيط من حولهم. على الغالب لا يمكنهم الاندماج

مع الفراغ والوقت ولا مع أي لمحة في المحيط والبيئة حولهم الذي قد يبدو غير متوقع أو حتى مفزع لهم مثل كرة مقذوفة باتجاههم، حيوان يقفز حولهم أو شخص يقترب منهم. يظهر هذا الطفل ضائع في عالم غير محسوس، غير قادر على تحديد الروابط بين “أنا” و”الآخر”، وعوضاً عن ذلك يبدي سلوكاً غريباً، وهذه التصرفات تدل على أنه لديه مشكلة في قبول العالم المحيط وغير قادر على التعبير عنها، وهي تعابير منطقية في جزئية الأطفال التوحديين أو الاعاقات الحسية المبهمة.

الطفل التوحدي يميل للنظر للأشخاص من حوله من خلال زاوية عينه ليس لأنه انعزالي ولكن لأن النظر الأحادي (بعين واحدة) يجعله يدرك ويستشعر الأشياء بدلاً من محاولة تفسير البيانات القادمة من كلتا العينين دفعة واحدة بينما لا تعملان سوياً. هذا الطفل قد يجد من المستحيل النظر للأشخاص أثناء الحوار، لأنه قد لا يستطيع معالجة المعلومات البصرية والسمعية في آن معاً، إضافة إلى عدم التوازن الحركي فقد يتأرجح أثناء المشي للأمام وإلى الخلف، وإخفاء وجهه من خلال أصابعه كمحاولة لإدراك العمق في المسافات، وأشارت أيضاً دراسة جديدة إلى أن الحول في العين شائع جداً لدى التوحديين أكثر من غيرهم حيث تنحرف إحدى العينين للداخل أول للخارج.

عمل ميلفن كابلان وزملائه بعض الفحوصات ووجدوا أن ٥٠٪ من التوحديين الذين تم فحصهم لديهم حول في العين، ٦٥٪ منهم لديهم حول حيث تتجه العين للخارج، ٣٥٪ منهم لديهم حول حيث تتجه العين للداخل. هذه المشكلة وجدت شائعة لدى الأفراد الأكبر سناً، وانتشاراً لدى الفتيات أكثر من الفتيان.

لاحظ الباحثون أن الحول قد يتضارب مع اتجاه الرؤية، الحركة في الفراغ، التوازن وكذلك في التعلم حيث يعيق الدماغ من استقبال معلومة بصرية موحدة، فوق كل ذلك، فإن هذا العجز يعيق القدرة لدى الأشخاص المصابين للتعرف على أجسادهم والعالم من حولهم ودمج الرسائل البصرية مع الرسائل الأخرى للأجهزة الحسية، حيث تعمل المهارات فيزيائياً، أكاديمياً وعاطفياً بشكل عصيب جداً في العالم البصري.

 

علاج الخلل في النظر لدى التوحديين:

إن استخدام النظارات الطبية المصنوعة من المنشور الزجاجي (prism) ليس بجديد في مجال البصريات، عادة ما يصفها أخصائيين البصريات في أحد عدسات النظارة الطبية للتعويض عن اختلال إحدى عضلات العين. وكما ذكرنا سابقاً عن تأثر النظر المحيطي للتوحديين، فقد وجد د. كابلان أن استخدام العدسات المحيطية (العدسات المترافقة) (yoked lenses) في وصفة النظارة ستحسن الإدراك بطريقةٍ ما تساعد المرضى للتعرف على عملية الرؤية.

العدسات المترافقة تحتوي على منشور بقوة بصرية متساوية أمام كل عين، كل المنشورين موجهين بنفس الاتجاه، حيث قاعدة المنشور في العدستين تكون إما للأعلى، للأسفل، لليمين أو لليسار.

يكمن أثر استخدام (العدسات المترافقة) (yoked lenses) في انحراف الأشعة الضوئية المحيطة بنقل الحيز بأسلوب يحسن رؤية المريض للعالم الخارجي ونتيجة لذلك فإنه يستوجب على أن يعيدوا الانتباه سريعاً للعمليات المرئية المكبوتة واستشعار المحيط المتغير من حولهم. في الواقع، التغيرات المدركة والمنقولة عنها باستخدام (العدسات المترافقة) (yoked lenses) – والتي تحتوي إدراك ازدياد الانحناء وانتقال الأشياء وميلان الطائرات – تتطلب من المرضى إعادة معايرة نظام الرؤية لديهم، باستخدام مهارات كانت مكبوتة لديهم سابقاً.

هذه النظارات الطبية ذات (العدسات المترافقة) (yoked lenses) موصوفة بعناية وربما تشبه أي نوع من النظارات التقليدية ولكن غايتها تختلف عنها تماماً. هذه النظارات الجديدة ستدرب العينين للعمل سوياً، لذلك سميت علاجية وتوصف للاستخدام لمدة من الوقت خلال اليوم، بعد استخدامها يومياً فإن الدماغ سيتعود التركيز على المهام التي يرغب مريض التوحد بعملها عوضاً عن بذل المزيد من الطاقة لفهم المعلومات، وفي النهاية ستصبح العينين معتادتين على العمل سوياً ولن تحتاج مساعدة خارجية بعد ذلك.

 

فحص النظر لمرضى التوحد:

الجمعية الوطنية للتوحد في الولايات المتحدة الأمريكية وضعت بعض المقترحات المختلفة لفحص نظر المرضى والتي يمكن دمجها مع الفحص الروتيني العادي لدى أخصائيين البصريات، حيث من الممكن أن يعطى مريض التوحد أول موعد في جدول العيادة أو آخر موعد في اليوم. مرضى التوحد عادة ما يجدون الانتظار مجهداً جداً لهم، لذا فإن الانتظار في الأماكن الممتلئة بالأشخاص قد تزيد مستوى التوتر لدى الأفراد القلقين مسبقاً، وإن أمكن، إيجاد غرفة جانبية يمكن للمريض وعائلته الانتظار فيها إن لم يفضلوا الانتظار في السيارة حتى تفرغ العيادة ويجهز أخصائي البصريات لاستقبالهم.

فحص مريض التوحد قد يكون مجهداً جداً، لذا فإنه من الضروري إخبارهم وشرح خطوات الفحص قبل البدء، لأن بعض التوحديين شديدي الحساسية للضوء وسريعي التأثر ومن الممكن أن تثير انضباطهم الأقلام الضوئية، وذلك قد يحصل في ٢-٣٪ منهم.

التواصل مع مرضى التوحد في العيادة ليس بالشيء السهل حيث يجب علينا استخدام لغة سهلة واضحة بجمل قصيرة، حيث يميلون لأخذ كل شيء حرفياً، ومن المهم التحديد وتجنب الكلمات ذات المعاني الكثيرة، البعض منهم يمكنه التحدث بموضوع لكن قد يفتقد الفهم الكامل، لذا يجب إعطائهم الوقت الكافي لفهم واستيعاب ما يقال لهم وتجنب استخدام الإشارات وتعابير الوجه بدون التوجيهات الكلامية.

من المهم لفت الانتباه إلى أن الذهاب لزيارة أخصائي البصريات يمكن أن يسبب عبئاً حساساً لمرضى التوحد، قد يصعب عليهم التعود على الأدوات المستخدمة في الفحص كالنظارات التجريبية الثقيلة والأضواء الساطعة، قد يتسبب ذلك لبعضهم بالانهيار أو الحزن، وقد يقاوم البعض بوضع يديه على أذنيه أو أن يغلق عينيه، والبعض الآخر قد يصفق بيديه ويضرب ويخفي وجهه من خلال أصابعه، ويستخدمون هذا النوع من التصرفات للتهدئة والدفاع لذا ينصح بعدم التدخل لإيقافهم إلا إذا لزم الأمر كلياً.

 

 

كتابة: مي إبراهيم الخضير – أخصائي أول بصريات، جامعة الملك سعود، العلوم الطبية التطبيقية، قسم البصريات وعلوم الرؤية –

Twitter: @mayalkhudair

 

مراجعة: هاله عبدالعزيز الشمري

Twitter: @HalahAlshammari

 

المراجع:

https://www.autism.com/treating_vision

 

https://xa.yimg.com/kq/groups/15569437/1510949938/name/Kaplan

 

http://psrcentre.org/images/extraimages/7.%201211313.pdf

 

http://content.iospress.com/articles/journal-of-pediatric-neurology/jpn00527

 

شارك هذه المقالة!

تعليق واحد على “التوحد وحاسة البصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *