الثقوب السوداء:قنبلة هوكينج

تاريخ النشر : 01/03/2014 التعليقات :0 الاعجابات :4 المشاهدات :5134

٠الثقوب السوداء

وقبل أن يرتحل الخيال بقرائنا الأعزاء بعيدا فإننا لا نقصد بهذا العنوان قنبلة عسكرية من النوع الذي ابتلي به عالمنا اليوم، بل نعني به البحث الأخير الذي نشره عالم الفيزياء الفلكية الشهير ستيفن هوكينج والذي تراجع فيه عن رأيه في الثقوب السوداء. وجاء اختيار هذا الموضوع لنبدأ به سلسلة مقالات علوم الفلك والفضاء في “مجموعة نون العلمية السعودية” لسببين، أحدهما عام والآخر خاص. فالسبب العام يتعلق برسالة “نون”، التي عاهدت نفسها أن تلتزم بتقديم أحدث ما توصل له العلم في مختلف التخصصات بطريقة سهلة تصل إلى المتلقي العادي قبل المتخصص. أما السبب الخاص بمجال علوم الفلك والفضاء فقد يثير دهشتكم، خاصة إذا أخبرناكم أن ستيفن هوكينج نفسه هو رائد نظرية الثقوب السوداء خلال سبعينيات القرن الماضي!!!

الثقب الأسود وسرعة الهروب

بداية لنحاول أن نوضح للقارئ الكريم بشكل بسيط طبيعة الثقب الأسود وخصائصه.

الثقب الأسود هو جسم أو منطقة من الفضاء تكون شديدة الجاذبية لدرجة أن لاشيء يمكنه الهروب منها، ولا حتى الضوء!! ولنقرب الفكرة أكثر، لابد أن نشرح مبدأ سرعة الهروب. لنفترض أن بيدك كرة صغيرة وتقوم برميها إلى أعلى، طبعا ستعود الكرة إلى يدك نتيجة لقوة الجاذبية الأرضية. وكلما رميت الكرة بقوة أكبر، كلما انطلقت نحو السماء بسرعة أكبر ولمسافة أعلى قبل أن تسقط ثانية. الآن، فلنتخيل أنك رميت الكرة بقوة كافية بحيث أنها لم تعد إليك (نحن نتخيل!). ما حصل هو أن الكرة تغلبت على قوة الجاذبية الأرضية واتجهت نحو الفضاء بسرعة مكنتها من الهروب، وبمعنى آخر فإن سرعة الهروب هي أقل سرعة يجب أن يتحرك بها الجسم (الكرة في مثالنا السابق) حتى يتحرر (يهرب) من تأثير قوة جاذبية الجسم المسيطر عليه (في المثال كان كوكب الأرض).

فلنسأل إذن، ما هي العلاقة بين قوة الجاذبية وسرعة الهروب؟ تماما، العلاقة طردية. فكلما كانت قوة جاذبية الجسم كبيرة، كلما احتجنا إلى أن نتحرك بسرعة كبيرة لنهرب من تأثيرها.

الثقوب السوداء في نظريات الفيزياء

تتوقع النظرية النسبية العامة لآينشتاين Einstein أنه في أماكن معينة في الفضاء تنكمش المادة إلى نقطة متناهية في الصغر وشديدة الكثافة تسمى نقطة الغموض singularity ،وفي هذه النقطة تكون قوة الجاذبية شديدة جدا وبالتالي تصبح سرعة الهروب منها كبيرة جدا، أكبر حتى من سرعة الضوء (حوالي 300 ألف كم/ث)، لدرجة أن الضوء نفسه لا يمكنه الهروب منها.

وبناء على هذا قدم العالم شفارتزشيلد Schwarzschild معادلة لحساب نصف القطر الذي تتحول بعده المادة التي كتلتها (M) إلى ثقب أسود وتمت تسميته بنصف قطر شفارتزشيلد (RSch) من المعادلة التالية، حيث يقاس نصف القطر بالكيلومترات ووحدة الكتلة هي الكتلة الشمسية :

RSch = 2.5 M

 

ونظريا،يمكن تحويل أي كتلة إلى ثقب أسود إذا تم ضغطها بشكل كاف لتصبح كرة نصف قطرها أقل من نصف قطر شفارتزشيلد. ومركز هذه الكرة هو نقطة الغموض وسطحها يسمى بأفق الحدث Event Horizon ، وما يحدث داخل أفق الحدث لا يمكن رؤيته لأن الأجسام التي تدخل إليه تدمر وتفقد إلى الأبد (انظر الشكل 1).

ثقب أسود

شكل (1): تركيب ثقب أسود بسيط

إذن، وفقا للنظرية النسبية العامة فالجسم الذي يصل إلى نقطة الغموض (مركز الثقب الأسود) لا يستطيع الهروب منها وسيفقد إلى الأبد لأن هذه النقطة لا متناهية في الصغر وبلا بنية وبالتالي لا يمكنها الاحتفاظ بأية معلومات عن الأجسام التي تصل إليها. وهذا هو سبب تسمية الثقب الأسود بهذا الاسم، فحيث أن المادة التي تسقط فيه لا يمكن استرجاعها فهو ثقب وأسود لأن الضوء لا يستطيع الهروب من جاذبيته وبالتالي لا يمكن رصده بالطرق العادية.

إلا أن نظرية الكم Quantum Theory، التي تصف فيزياء المادة والفضاء بمقاييس فائقة الصغر، تعارض هذه الفكرة حيث تقول بأن أي عملية يمكن أن تتم بالعكس، وبالتالي يمكننا التعرف على الحالة الابتدائية لأي جسم بدراسة صورته النهائية، مما يعني أن الثقب الأسود لا يقوم كليا بتدمير المعلومات حول الأجسام التي سقطت فيه بل يجب أن يحتفظ بها – بطريقة أو بأخرى – وبالتالي يمكننا استرجاعها.

ما الذي تغير في نظر السيد هوكينج؟

بعد هذا الحديث عن الثقوب السوداء لنعد إلى سؤالنا الأول، ما المثير في بحث هوكينج الأخير؟

كان رأي هوكينج السابق مستمدا من النظرية النسبية العامة، أي أنه كان يعتقد أن الجسم الذي يسقط في ثقب أسود يفقد إلى الأبد. أما في بحثه الأخير (Information Preservation and Weather Forecasting for Black Holes)([1])، فقد غير قناعته وانضم إلى قافلة المؤيدين للرأي القائل بأن الطاقة أو المعلومات يمكن استرجاعها من الثقب الأسود بعد ابتلاعها!

وبدلا من وجود أفق الحدث وحده، يفترض هوكينج وجود ما يسمى بأفق الوضوح (Apparent Horizon) وهو سطح يتم فيه تعليق أشعة الضوء التي تحاول الاندفاع بعيدًا عن مركز الثقب الأسود (نقطة الغموض). وفي بعض حالات النسبية العامة، يكون هذا الأفق منطبقا على أفق الحدث (أي أنه يوجد أفق حدث فقط) لأن الضوء الذي يحاول الهروب من الثقب الأسود يصل فقط إلى أفق الحدث ويبقى محبوسا هناك. أما في حالات أخرى، فلا يوجد أفق حدث في الثقب الأسود مما يعني أنه لم يعد ثقبا من الأساس!! وستخرج منه كل المادة التي كانت محاصرة بداخله وإن لم تكن بحالة جيدة تسمح بدراستها.

وإذا كان هوكينج محقا، فإنه يفتح الباب أمام احتمالات واسعة وربما متطرفة فيما يتعلق بنظرة الفيزيائيين للثقوب السوداء. وعلى ما يبدو، فإن هذا “التطور” في وجهة نظر هوكينج هو مقدمة للجمع بين نظرية الكم والنظرية النسبية العامة فيما يتعلق بالثقوب السوداء.وإذا مازلتم تتساءلون حول سبب الضجة والاهتمام برأي هوكينج الجديد، فلنلخص ما تحدثنا عنه حتى الآن

إن بحث هوكينج الأخير يدفعنا إلى أن نعيد التفكير في فهمنا للثقوب السوداء، فلا يوجد ثقب أسود بالمعنى المطلقبل هناك منطقة في الفضاء تحتاج فيها الأمور إلى وقت طويل جدا للهروب منها. وهذا يشير إلى أن الثقوب السوداء لا تضيق مطلقا لتقتصر على نقطة الغموض. إذن، فإن وقوع جسم ما في ثقب أسود لا يعني ضياعه إلى الأبد، وعلى الرغم من صعوبة استرداد أي معلومات عن هذا الجسم إلا أنها لا تزال موجودة هناك، في مكان ما من الثقب الأسود ومن المرجح جدا أن تكون قد شوهت إلى حد كبير، مما يجعل محاولة إعادة استخدامها أشبه بالمهمة المستحيلة،أما كيف يمكن استرداد المعلومات، فإن الإجابة على هذا السؤال تحتاج منا أن نتطرق إلى “إشعاع هوكينج” وهو الأمر الذي يخرجنا عن سياق هذا المقال، ولعلنا نفسر هذا المبدأ لاحقا بحول الله.

وسواء كان هوكينج محقا هذه المرة أم لا، فسيظل الكون يحمل أكبر الألغاز والتحديات التي قد يقابلها الإنسان يوما.

 

مراجع :

 

 1-Department of applied mathematics and theoretical physics 

2-  nature

3-  nature

4-  nature


شاركنا رأيك طباعة