رجل يصنع طائرته الخاصة من العدم

تاريخ النشر : 18/12/2016 التعليقات :0 الاعجابات :2 المشاهدات :796

%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d9%8a%d8%b5%d9%86%d8%b9-%d8%b7%d8%a7%d8%a6%d8%b1%d8%aa%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b5%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%af%d9%85

رجل يصنع طائرته الخاصة من العدم، باستخدام أجزاء معادة التصنيع وبمشاهدة فيديوهات تعليمية من اليوتيوب.

قبل 15عاماً، قرّر زيرفو ترك الحياة الجامعية ليُلاحق شغفه بالطيران، خطّط للانضمام لأكاديمية الطيران الإثيوبية، لكنّه رُفض لأنه أقصر بسنتيمتر واحد فقط! فقرّر صناعة طائرته الخاصة لتحقيق حلمه بالطيران، كرّس حياته كلّها لإنجاز طموحاته الجويّة. وقام بتوظيف ذكاءه لتطوير طائرته. باحثاً عن مخطّطات الطائرات مُتعلّما كيفية صناعة طائرة اعتماداً على اليوتيوب. وبعد سنوات جاء اليوم الذي يجب عليه البدء ببناء أوّل طائرة إثيوبية مصنوعة في المنزل. إصرار زيرفو جعلت منه حالماً حقيقياً. بعدما واجهته العوائق وصل أخيراً لاعتمار خوذته للإقلاع بالـ K-570A إلى السماء. وقال:سأصبح أوّل شخص في تاريخ الطيران الإفريقي يصنع طائرة  قادرة على التحليق عالياً في السماء. “وأتمنى الظهور في الإعلام العالمي وأروّج لإفريقيا في ميدان العلوم والتكنولوجيا”

حينما كان طفلا صغيرا في إثيوبيا، حلم أسميلاش زيرفو بأنّه سيتمكّن من التحليق بطائرة.
يتحدّث جوناثان ويلز مع الطيّار المتوقّع حول النضال الذي خاضه قبل التحليق بطائرته.
“كل شيء يبدو مستحيلاً إلى أنّ يتمّ تحقيقه” – مانديلا. “أنا لم أفشل. بل وجدت 1000 طريقة غير ناجحة” – توماس آديسون. أقوال واقتباسات ملهمة و صور محاولاته الأولى للطيران تعجّ بها صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك بالمديح  والثناء على الأخوان رايت.
يكفي القول أنّ آسيملاش زيرفو رجل يتحلّى بإيمان قوي. عانى الإثيوبي صاحب الـ 35 عاماً من عوائق لا تحصى أثناء رحلته ليصبح طياراً، ورغم أنّه لم يسبق له أن وضع رِجلاً واحدة على متن طائرة من قبل – فقرّر: فلأحلّق لوحدي بواحدة – يرفض صانع الطائرات الهاوي الاستسلام والتخلي عن حُلمه.
قبل خمس عشر سنة، قرّر زيرفو ترك الحياة الجامعية خلفه ليلاحق شغفه بالطيران – رغم تحصيله لمعدّل نقاط 3.8 من 4.0 في الثانوية، وقبوله في الجامعة لمتابعة تخصّص في الصحة العامة والهندسة المدنية.
خطّط الطيّار المرتقب مغادرة الحرم الجامعي لجامعة آلمايا للانضمام لأكاديمية الطيران للخطوط الجوية الإثيوبية، لكنّه واجه أولى نكساته الكبرى حينما رفض فرع مدرسة “Dire Dawa” للطيران السماح له بالتسجيل. “لقد كنت محبطا للغاية” أخبرني زيرفو. “لم تتوفّر فيّ مواصفات الطول المطلوبة. لقد كنت أقصر بسنتيمتر واحد فقط” كان هذا بمثابة رفض قاطع لأحلام زيرفو في التحليق، هذا الرفض كان ليردع الكثيرين عن مواصلة أحلامهم، لكن ليس أسميلاش.
“كانت هذه نقطة التحوّل. مذ ذلك قرّرت صناعة طائرتي الخاصة لتحقيق حلمي في الطيران. كان هذا عام 2001”
ومنذ رفضه في أكاديمية الطيران للخطوط الجوية الإثيوبية، كرّس زيرفو حياته كلّها لإنجاز طموحاته الجويّة. ولأنّه أقصر من أن يصبح طيّارا تجاريا، قرّر ضابط الصحة العمومية بناء طائرته الخاصة من العدم في تاسع أفقر دولة في العالم.
قام زيرفو بتوظيف ذكاءه المعتبر للتطوير الدقيق لطائرته. فقد قضى أكثر من عقد مكبّا على قراءة كتب الصيانة الخاصة بـ إدارة الطيران الفيدرالية، باحثا في الإنترنت عن مخطّطات الطائرات مُتعلّما عن كيفية صناعة طائرة اعتمادا على ينبوع كلّ المعارف : اليوتيوب.
وبعد عشر سنوات من التخطيط، جاء اليوم الذي يجب على زيرفو فيه البدء ببناء أوّل طائرة إثيوبية مصنوعة في المنزل. بعد دمج تصميم الجناح الحامل لخططه الفريدة، وتجميع باقي أجزاء الطائرة المتوفّرة، بدأ زيرفو المهمّة الأطول والأصعب لتحديد مصادر المكوّنات والمواد التي يحتاجها لتركيب آلته الطائرة الرائعة.
“لصناعة طائرتي، قمت بتجميع مواد أصلية ومُعادة التصنيع من المرائب والورشات ومن الميركاتو – هذا الأخير يعتبر أكبر سوق في أفريقيا – بأديس أبابا.”
بعد بنائه لهيكل الطائرة من الخشب، وضع زيرفو طائرته فوق قاعدة عجلات معدّلة من دراجة نارية قديمة من نوع سوزوكي – وأدرك أهمية الهبوط الاضطراري. صناعة التشبيك الداخلي المعقّد للأجنحة أخذ منه أشهراً عدّة لصناعته لكن بعد إتمامه، ربط زيرفو ذلك بابتكاره. بعدها فقط حوّل اهتمامه إلى المحرّك.
يقول:طائرتي تشتغل بمحرّك فولكسفاغن بيتل (الخنفساء) معاد التصنيع.
“المحرّك عبارة عن متقابل أفقي بقوة أربعين حصانا، محرّك رباعي الأشواط  ورباعي الأسطوانات سرعته يمكن أن تصل إلى 3000 دورة في الدقيقة.”
مروحة المرقّق الخشبي المكيّفة والمصنعة يدويّا كانت أخر مكوّن متكامل يتمّ إضافته، بوزن 15 رطلا، تمّ بناؤه لمقاومة قوّة محرّك الـ 1.285 سم3. لإنهاء الطائرة وإعطائها الطلاء النهائي باللون الأبيض، لم يبقَ لزيرفو سوى تسميتها.
“أسمّيها الـ K-570A. الـ (K): تمثّل الحرف الأوّل من إسم والدتي، كيروس، و 570 تمثّل عدد الأيّام التي قضيتها لإتمام صناعة طائرتي. أمّا حرف (A) : طائرة (بالإنجليزية)”.
الـ K-570A المكتملة هي طائرة خفيفة بمقعدين، مفتوحة ترادف المظلّة. مصمّمة من طرف زيرفو للطيران ببطء وعلو منخفض”  بتكلفة 160،000 بير إثيوبي (4،900 جنيه إسترليني) لبنائها وهي منتوج بتكلفة تقارب نصف مدخول الفرد الإثيوبي طيلة حياته.
“ مررت بالعديد من التحدّيات لـ بناء طائرتي” يقول زيرفو. “النّاس من حولي اعتبروني مجنوناً وأخذ الأمر منّي العديد من التجارب والأخطاء لبنائها. العوائق المالية كانت قيدا آخر لجعل إبداع طائرتي الإفريقية أمراً ممكناً.  لكن، رغم كلّ تلك المصاعب والعراقيل اقتربت من تحقيق حلمي”
أكبر خيبة أمل لـ زيرفو حدثت في الـ 15 من يونيو من هذا العام (2016) بعد أن اعتمر خوذة دراجته النارية (السلامة أوّلا) ووضع الـ K-570A في حقل الطيران المحلي (حقل فعلي) لطيرانها الأوّل. وبعد احتكاك غير متوقّع، انغلقت المروحة محطّمة معها هيكل مخرج دخان الطائرة، كادت أن تعيد (حرفيا) المهندس إلى لوحة الرسم الأولى (التخطيط).
لكن ما يميّز زيرفو هو المثابرة. من رجل مشكوك فيه من طرف نظرائه وحكومته وحتى الخطوط الجوية في وطنه، فقد حافظ على بصيص معتبر من الأمل والتفاؤل، وواصل التقدّم في مسعاه ليبلغ ذات يوم السماء.
لقد كان على اتصّال مؤخرا مع رينيه بوبرمان، خبير طيران من “NVAV” (جمعية تجارب الطيران الهولندية ) – وعازف غيتار إحدى فرق الديسكو النمساوية. اقترح بوبرمان على زيرفو التخفيف من الوزن الزائد للـ K-570A وبفضل هذه النصيحة، الطائرة تنساب بشكل أفضل من السابق. أخذ زيرفو يستعمل اختراعه المعدّل حديثا في النقل بالأجرة لتجربة قوّتها. “الأداء آخذ في التحسّن” يكشف الطّيّار المستقبلي.
إصرار وعزيمة زيرفو تجعل منه حالماً حقيقياً. قبل انتهاء العام، يخطّط زيرفو لاعتمار خوذته مجدّدا لكن هذه المرّة للإقلاع بالـK-570A إلى السماء. “أريد أن أحلّق 10 أمتار فوق سطح الأرض. بالقيام بذلك، سأصبح أوّل شخص في تاريخ الطيران الإفريقي يصنع طائرة  قادرة على التحليق عالياً في السماء. أود الظهور في الإعلام العالمي وأروّج لإفريقيا في ميدان العلوم و التكنولوجيا”
رغم أنّ مهندس الطائرة الهاوي يدّعي بأنّه يريد اغتنام الفرصة ليتحدّى نظرة الناس لإثيوبيا كسبب بارز لاختراعه الـ K-570A  لكن حماسه الطفولي يفضحه ويقول عكس ذلك. فـ آسميلاش زيرفو – رجل قضى طفولته يعيش في منطقة مدمّرَة جراء صراع دائم بين العسكر والجبهات التحرّرية – فهو لا يريد سوى تحقيق حلم لازمه طيلة حياته.
حلم خطى خطوة أخرى ليتحقّق بعدما تحصّل زيرفو على منحة دراسية كاملة بجامعة إنهولاند للعلوم التطبيقية في هولندا لدراسة هندسة الطيران.
بعض الصور المرسومة باليد والمرفوعة على صفحات مواقع التواصل زيرفو تغلّف روح المغامرة الشبابية التي تمكّن بطريقة ما من الاحتفاظ بها، وبفضل شهادة هولندية وبعض الحظ، على أمل أن تصبح هذه الأحلام المخطوطة بقلم الرصاص حقيقة في القريب العاجل.

 

ترجمة: كتفي بلال
Twitter: @iBylelK

مراجعة: العنود سعد الماضي
Twitter: @Alanoud_almadhi

 

المصدر:

The Telegraph

 


شاركنا رأيك طباعة